القطاع غير المهيكل

Publié le par FATHI CHAMKHI

    CC 22612

إشكاليّة التّعريف. ورد مفهوم القطاع غير المهيكل وإشكاليّته لأوّل مرّة سنة 1972 في دراستين للمكتب الدّولي للشّغل حول التّشغيل في كلّ من كينيا وغانا. ثمّ تحسّنت في ما بعد معرفة هذه الظّاهرة الاقتصاديّة والاجتماعيّة بفضل تعدّد الدّراسات الميدانيّة والكتابات المتخصّصة، لكن ترجمة هذا المفهوم إلى معاني عمليّة كما قياس أهميّة القطاع غير المهيكل لا يزال يطرح إشكاليّات منهجيّة بسبب الانتشار المجالي الهامّ لهذا القطاع وتنوّعه الكبير وصغر حجمه وقابليّته الكبيرة "للتبخّر". وليس من النّادر أيضا أن يختلف التّعريف من بلد إلى آخر، أو من فترة إلى أخرى، أو من استبيان إلى آخر، داخل البلد الواحد.

ما انفكّت مقاربات نظريّة عديدة تسعى إلى تدقيق تعريف القطاع غير المهيكل، على غرار مقاربة الازدواجيّة الاقتصاديّة المستلهمة من نموذج أ. لويس (1954)، والتّي تعرّف القطاع غير المهيكل بناء على مجموعة من المقاييس لتحصل على ما يشبه الصّورة المعكوسة للاقتصاد المهيكل. لكن غالبا ما يقع نقد هذا التّعريف الذّي يعاب عليه نظرته الجامدة التّي تنفي إمكانيّة وجود علاقات متبادلة ما بين القطاعين المهيكل وغير المهيكل. ثمّ المقاربة التّي تماثل ما بين اللاّهيكليّة وما بين الفقر والهامشيّة، وهي تعتبر القطاع غير المهيكل مجرّد مجال بقاء، ومجال الهامشيّة وجيب للفقر لا غير. كما توجد محاولات تعريف أخرى، على غرار تعريف دو صوتو[1] الذّي يعرّف القطاع غير المهيكل من حيث هو المجال الخارج عن القانون، وفي ذلك إشارة للدّولة. فالقطاع غير المهيكل هو كلّ ما يخرج عن التّقنين الحكومي.

بادر المكتب الدّولي للشّغل من جهته، سنة 1993[2]، استنادا إلى عدد هام من الدّراسات والأبحاث الميدانيّة، بصياغة تعريف إحصائي للقطاع غير المهيكل، وهو القطاع المتكوّن من وحدات اقتصاديّة صغيرة جدّا تنتج منافع وخدمات بهدف خلق الشّغل وضمان الدّخل. وهي تشترك في عدد من الخصائص التّي من بينها الحجم المتواضع لرأس مالها، وندرة اليد العاملة المؤهّلة لديها، ودرجة نفاذها المحدود للأسواق المنظّمة وللتّكنولوجيا، ومداخيلها الضّعيفة وغير المنتظمة، وظروف عملها التّي غالبا ما تكون غير لائقة. كما تتميّز وحدات القطاع غير المهيكل بضعف مستوى تنظيمها، وبضعف الفصل ما بين العمل ورأس المال، وبتقاطع علاقات العمل السّائدة لديها مع علاقات القربى والعلاقات الفرديّة والاجتماعيّة. أخيرا، غالبا ما تكون وحدات القطاع غير المهيكل خارج دائرة تدخّل أجهزة الإحصاء والتّنظيمات العُموميّة، وهي في أغلبها على هامش أنظمة الحماية الاجتماعيّة الرّسميّة وأنظمة حماية العمّال ومنظّماتهم.

يُضيف جاك شارم[3] ثلاث ملاحظات حول هذا التّعريف المتّفق عليه دوليّا:

أوّلا، التّأكيد على أنّ هذه الوحدات الاقتصاديّة الصغيرة تمتاز قبل كلّ شيء بعدم خضوعها لإجراء التّسجيل القانوني للمؤسّسة ذاتها أو للعاملين بها، بسبب عدم ملائمة النّظام الإداري والقانوني القائم أو حتّى غيابه. في المقابل لا تسعى الأنشطة العاديّة، إن صحّ القول، إلى التخفّي مختلفة في ذلك عن الأنشطة "التحت أرضيّة". علما بأنّ وحدات القطاع غير المهيكل العاديّة تنشط بواسطة العمل غير القانوني وتمارس التهرّب الضريبي. لكن هنا أيضا، لا يفعل أصحاب المؤسّسات غير المهيكلة ذلك بسابق الإضمار والترصّد.

ثانيا، هناك ملاحظة هامّة أخرى تتعلّق بهذا التّعريف المعتمد من قبل المكتب الدّولي للشّغل سنة 1993، تتعلّق باعتماد هذا التّعريف التّمييز ما بين الأنشطة الفلاحيّة والأنشطة غير المهيكلة التّي هي طبقا لذلك غير فلاحيّة. لقد تمّ هذا التّمييز على أساس تجريبي وليس على أساس نظري.

أخيرا، يشير جاك شارم إلى الانتقادات التّي توجّهت إلى هذا التّعريف الذّي يستند إلى مقولة الازدواجية. حيث أنّ مصطلح القطاع يوحي بوجود قطاعين منفصلين عن بعضهما البعض لا تربطهما علاقة متبادلة. ثمّ يقول جاك شارم أنّ تبنّي مصطلح القطاع من قبل تعريف مكتب الشّغل الدّولي يعكس في الواقع إرادة هذه المؤسّسة الدوليّة دمج مفهوم القطاع غير المهيكل في صلب نظام المحاسبة الوطنيّة. وهو ما يفسّر حسب رأيه تعريف هذا القطاع انطلاقا من خصائص الوحدة الاقتصاديّة. وبالتّالي يصبح القطاع غير المهيكل بمقتضى هكذا تعريف قطاع فرعي من القطاع المؤسّساتي الأسري ضمن نظام المحاسبة الوطنيّة.

تطوّر القطاع غير المهيكل : المعطيات الكميّة. يندرج تطوّر الاقتصاد غير المهيكل في البلدان النّامية في إطار الدّيناميكيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة التّي رافقت سياسات التّنمية. ثمّ تسارع نسق هذا التّطوّر على اثر دخول هذه السّياسات في أزمة حادّة في بداية عقد الثمّانينات وبداية اكتساح نظام العولمة اللّيبراليّة الجديدة البلدان النّامية. ويمكننا أنّ نصنّف العوامل التّي تفسّر تطوّر القطاع غير المهيكل في ثلاثة أصناف هي:

--من جهة، وجود قطاع حرفي تقليدي يعيش تقهقرا متواصلا منذ عقود طويلة، حيث لم يتمكّن سوى عد قليل من هذه الحرف من الإفلات من قبضة سيرورة التحلّل هذه، وذلك بفضل تطوّر القطاع المهيكل الذّي ساهم في تحسّن متوسّط الدّخل الفردي، والذّي ساهم بدوره في الزّيادة في مستوى الاستهلاك المحلّي موفّرا بذلك أرضيّة سانحة لانتعاش هذه الحرف. كما كان لبروز وتطوّر عدّة أنشطة جديدة مثل السّياحة، في العديد من البلدان النّامية على غرار تونس، تأثير إيجابيّ مماثل على عديد الحرف الأخرى التّي كانت على وشك الاضمحلال. أخيرا، لعب تطوّر المبادلات التّجاريّة العالميّة دورا لا يقلّ أهميّة في هذا المجال.

--دفعت أزمة التّشغيل واستعصاء الفقر، من جهة ثانية، السكّان إلى تطوير روح المبادرة والخلق لاستنباط استراتيجيّات عديدة ومتنوّعة لضمان بقائهم.

    --يؤدّي تطبيق البلدان النّامية لسياسات التّعديل الهيكلي والاندماج في السّوق المعولمة، منذ عقدين من الزّمن، إلى تقليص هامّ لمستوى التّشغيل في القطاع العمومي، وإلى مزيد إضعاف قدرة الاقتصاد المهيكل على خلق مواطن شغل جديدة، وبالتّالي تفاقم أزمة التّشغيل واتساع دائرة الفقر. ففي إندونيسيا مثلا ارتفع مستوى البطالة بسبب الأزمة الماليّة التي عصفت بها سنة 1997، من 22% قبل الأزمة إلى 38% بعدها، وارتفعت في الوقت نفسه نسبة السكّان الذّين يعيشون تحت عتبة الفقر من 37% إلى 48%. كما أفادت تقارير مكتب الشّغل الدّولي من جهتها، أنّ أزمة 1997 قد تسبّبت في دمار ما لا يقلّ عن 24 مليون موطن شغل في آسيا الشرقيّة لوحدها، خاصّة في قطاعات النّشاط المهيكل.

    --تدفع أزمة التّشغيل واستعصاء الفقر، النّاتجة عن تضافر فشل التّنمية وضغوط العولمة، السكّان إلى تطوير روح المبادرة والخلق لاستنباط استراتيجيّات عديدة ومتنوّعة لضمان بقائهم.

تنكبّ كافة الدّراسات التّي تتناول القطاع غير المهيكل على مسألتين أساسيّتين: تحديد طاقته الإنتاجيّة، وبالتّالي التعرّف على مدى مساهمته في إجمالي النّاتج المحلّي الخامّ، وخاصّة محاولة معرفة طاقته التشغيليّة، وبالتّالي دوره في ضمان الدّخل للطّبقات الكادحة، ثمّ مدى مساهمته في التّخفيف من حدّة البطالة، وبعبارة أخرى دور القطاع غير المهيكل في تخفيف حدّة الفقر.

مكانة القطاع غير المهيكل في التشغيل. بقي تطوّر أنشطة القطاع غير المهيكل متواضعا حتّى بداية عقد الثمّانينات. ثمّ تغيّرت الأوضاع بعد ذلك التّاريخ ممّا جعل القطاع غير المهيكل يشهد تطوّرا متواصلا جعل منه اليوم شكل النّشاط المهيمن في البلدان النّامية. كما شمل انتشار النّشاطات غير المهيكلة، ولو بدرجة أقلّ حدّة بكثير، أغلب البلدان الصّناعيّة.

تفيد المعطيات المتوفّرة أن ما لا يقلّ عن ربع السكّان النّاشطين غير الفلاحيّين في العالم، أي ما يقدّر بحوالي 500 مليون ناشط، تتوقّف حياتهم، بشكل أو بآخر، على القطاع غير المهيكل. كما تفيد التّقديرات أنّ نسبة التّشغيل الذّاتي غير الفلاحي في العالم قد ارتفعت من 26% سنة 1970 إلى 28% سنة 1990. علما بأنّ قارّة أفريقيا هي التّي سجّلت، خلال نفس المدّة، أعلى نسبة نموّ في هذا المجال من 28% إلى 55%. في المقابل شهدت قارّة أسيا، منذ بداية السّبعينات إلى غاية اندلاع الأزمة الماليّة سنة 1997، تقلّصا لمكانة التّشغيل الذّاتي كان سببه نجاح مسارات التّصنيع في عديد البلدان. لكنّ الأزمة المذكورة عكست هذا الاتّجاه بشكل جذري وهامّ.

تبرز هذه الأرقام الدّور الهامّ الذّي يلعبه القطاع غير المهيكل في التّشغيل وبالتّالي التّخفيف من حدّة البطالة النّاتجة عن عجز القطاع المهيكل عن ضمان الشّغل لكلّ من يرغب فيه. في هذا الصّدد بيّنت دراسة قام بها فريق من الباحثين برئاسة مرغريت روبنسن من جامعة هارفارد في جاكارتا، أنّ قطاعات نشاط ثلاث هي النّقل بواسطة درّاجات "بيكاك" ذات العجلات الثّلاث، ثمّ قطاع استعادة الفضلات (المعادن، القماش، البلّور خاصّة)، وأخيرا تجارة الجوّالين، تضمن الشّغل لمئات الآلاف من العاملين في العاصمة الإندونيسيّة. أمّا في الهند على سبيل المثال، فإنّ ما لا يقلّ عن ثلاثة أرباع النّاشطين غير الفلاحيّين كانوا يشتغلون سنة 1990 في القطاع غير المهيكل.

مّا في أفريقيا فإنّ حصّة القطاع غير المهيكل من سوق الشّغل الحضريّة تصل إلى حدود 80% في البينين (1992)، و57% في الكاميرون (1993)، و72% في غامبيا (1993)، و79% في غانا (1997)، و77% في السنغال (1991)، و56% في تنزانيا (1991)، و39% في المغرب (2000).

بالنّسبة للبلدان الصّناعيّة تصل النّسبة إلى 11% في ايرلندا وفي زيلاندة الجديدة و 19% في ألمانيا وتبلغ 20% في القطاع الصّناعي فقط في إيطاليا. وفي بلدان أوروبا الوسطى والشرقيّة تبلغ نسبة القطاع غير المهيكل في التشغيل الحضري 13% في بولونيا.

مستوى الشّغل في القطاع غير المهيكل في تونس

يعتمد تعريف القطاع غير المهيكل في تونس على المقاييس الإحصائية التّالية: الصّفة القانونيّة للوحدة (أشخاص مادّيّين)، حجم المؤسّسة المعبّر عنه بحساب عدد المشتغلين الأجراء (لا يفوق خمسة)، وأخيرا عدم مسك محاسبة.

شرع المعهد الوطني للإحصاء بصفة مبكّرة في التعرّف على القطاع غير المهيكل في تونس من خلال بحوث وتحقيقات ميدانيّة عديدة، كان آخرها المسح الوطني حول النّشاطات الاقتصاديّة للمؤسّسات الصغيرة جدّا سنة 1997 ثم مسح ثان سنة 2002 وهو الذّي نعرض أهمّ نتائجه في ما يلي.

بلغ عدد الوحدات الاقتصاديّة الصّغيرة جدّا (أقلّ من 6 أجراء) المسجّلة في الفهرس الوطني للمؤسّسات في موفّى سنة 2002، 415 ألف وحدة. وقد بيّن المسح أنّ عدد المشتغلين في هذه المؤسّسات قد تجاوز 433 ألف أغلبهم من الذّكور (84،1%). أي ما يمثّل 19،7% من إجمالي التّشغيل غير الفلاحي بالبلاد الذّي تجاوز 2،2 مليون موطن شغل. يتوزّع الشّغل في المؤسّسات الصغيرة جدّا بنسبة 18،1% في وحدات القطاع الصّناعي والحرفي، و45،5% في الأنشطة التّجاريّة والتّصليح، ونسبة 33،6% في الخدمات المختلفة.

يمثّل التّشغيل الذّاتي، أي الأشخاص الذّين يباشرون وحداتهم الإنتاجية بصفة مستقلّين، نسبة 64،3% من مجموع التشغيل في الوحدات الصّغيرة جدّا، ونسبة 19,4% بصفتهم أعراف أو شركاء، فيما لا يمثّل الأجراء سوى نسبة 23.9% من هذا المجموع. تتكوّن النّسبة  المتبقّية (7،3%) من المعاونين العائليّين، أي غير الأجراء.

هكذا نحصل على تقدير الإجمالي في القطاع غير المهيكل كما قدّره مسح 2002 في حدود 755 موطن شغل، أي 28% من إجمالي التشغيل، أو 34،3% من الشغل غير الفلاحي. لكنّ هذا التّقدير هو من الأرجح دون مستوى مساهمة الأنشطة غير المهيكلة الحقيقي في التّشغيل. حيث أنّ كل الدّلائل تشير إلى التدعّم المتواصل لمكانة القطاع غير المهيكل في الاقتصاد التّونسي، وبالتّالي في التّشغيل كما تبيّنه أرقام الجدول التّالي التّي قمنا باحتسابها استنادا إلى الوثائق الإحصائيّة التّي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، والمتعلّقة بنتائج المسح الخاصّ بالتشغيل في تونس سنة 1989 والتّعداد العامّ للسّكان والسّكنى تحصّلنا على النتائج المبيّنة بالجدول التّالي، تعطينا النّتائج التّالية.

من خلال الأرقام المتوفّرة فإننا نحصل على تقدير لمساهمة القطاع غير المهيكل في إجمالي التّشغيل غير الفلاحي في تونس سنة 1994 تساوي 43,4% فقط، أي حوالي 789 ألف موطن شغل. ولقد تطوّر عدد مواطن الشّغل منذ 1989 وفق معدّل سنوي يساوي 11,3%، مسجّلا بذلك تسارعا ملحوظا في نسقه مقارنة بما تحقّق من زيادة ما بين 1975 و 1989 والتّي بلغت معدّل سنوي 2,9%.

كما شهد عدد المؤسّسات الصّغيرة جدّا نموّا ملحوظا خلال السّنين الأخيرة مترجما بدوره عن تدعّم مكانة القطاع غير المهيكل في الاقتصاد التّونسي، حيث ارتفع عدد هذه الوحدات الاقتصاديّة من أقلّ من 348 ألف مؤسّسة سنة 1996 (من مجموع 358 ألف) إلى 415 ألف مؤسّسة سنة 2002، أي بمعدّل نموّ سنوي 3%، ممّا يدلّ على الحيويّة الفائقة التّي لا يزال يتميّز بها القطاع غير المهيكل في تونس الذّي يغذّيه استمرار سياسة الدّولة في مجال التّشغيل الرّامية إلى التقليص في حجم التّشغيل في القطاع العمومي، وتواصل إعادة الهيكلة الليبراليّة الجديدة للاقتصاد، وانفتاح السّوق المحليّة على المبادلات التجاريّة العالميّة.

هيكلة المؤسّسات الاقتصاديّة في تونس حسب عدد المشتغلين سنة 1996

    %     من المجموع

عدد المؤسّسات

 

81,8

292.851

مستقلّون

15,2

54.542

أقلّ من 6 أجراء

0,9

3.404

ما بين 6 و 9 أجراء

1,4

5.128

من 10 إلى 49 أجير

0,3

991

من 50 إلى 99 أجير

0,4

1.245

من 100 إلى 999 أجير

-

55

    1000 أجير فما فوق

100

358.216

المجموع

المصدر : المعهد الوطني للإحصاء

مساهمة القطاع غير المهيكل في إجمالي النّاتج المحلّي. يُساهم القطاع غير المهيكل في إجمالي النّاتج المحلّي الخامّ بدرجة أقلّ من مساهمته في التشغيل. في أفريقيا جنوب الصّحراء بلغت حصّة القطاع غير المهيكل في الإنتاج غير الفلاحي خلال التّسعينات، نسبة 39,4% و 25% من إجمالي النّاتج المحلّي. كما بلغت هذه النسبة في قارّة آسيا 37% و 28%.

يلعب القطاع غير المهيكل في بعض البلدان دورا هامّا في الإنتاج.

--عوامل الإنتاج: تختلف هيكلة عوامل الإنتاج كثيرا هنا عمّا هو الحال في القطاع المهيكل. حيث يمثّل العمل عموما، أهمّ استثمار، إن لم يكن الوحيد، الذّي يقوم عليه النشاط الاقتصادي غير المهيكل. حيث أنّ الأنشطة غير المهيكلة هي قبل كلّ شيء أنشطة ذات كثافة عمل عالية تقوم بشكل أساسي على المجهود البدني. كما أنّ العمل في القطاع غير المهيكل غالبا ما يكون من قبيل التشغيل الذّاتي بما في ذلك التشغيل العائلي، لكنّ هذا لا ينفي اللجوء إلى العمل المأجور وتوسيع مجال استعماله كلّما اقتضت الحاجة إلى ذلك. لكن وفي جميع الحالات لا يتجاوز حجم القوّة العاملة بالوحدة الإنتاجية بضعة أفراد، ونادرا أكثر من ذلك.

في المقابل يلعب "الرّأسمال" أو بالأحرى المال، حيث أنّ الغاية ليست التّراكم وإنّما هدف اجتماعي (ضمان مقابل وسائل العيش)، دور محدود بالنّسبة للأنشطة غير المهيكلة، يتمثّل غالبا في دور النّقود المتداولة. وكذلك الشّأن بالنّسبة لمستلزمات الإنتاج الأخرى، على غرار الموادّ الأوليّة وأدوات العمل والمحلّ وغيرها، التّي غالبا ما تكون على غاية من البساطة، إذ عادة ما يستعمل النّاشطون في القطاع غير المهيكل ما يسقط تحت اليد.

نستخلص من هنا أن وحدة الإنتاج غير المهيكلة صغيرة الحجم ولا تجنّد استثمارا ماليّا كبيرا، حيث أن مبلغا زهيدا يكفي غالبا لاكتساب موقع صلب هذا القطاع، ممّا يفسّر قلّة استنجاد المقاولين غير المهيكلين بالبنوك لتمويل مشاريعهم. بينما تمثّل قوّة العمل أهمّ استثمار، وهي تستعمل بلا حساب... ما دام الشّغل متوفّرا.

--التّنظيم والتسيير. تنظيم العمل لا تتماشى طبيعة الوحدات الإنتاجية غير المهيكلة مع متطلبات التقسيم التقني للعمل ممّا يفسّر ضعف إنتاجيته

كما أنّ الكفاءة المهنيّة الهزيلة التي تميّز أغلب الأنشطة غير المهيكلة تعدّ عامل من عوامل ضعف الانتاجيّة

وبالتالي فإنّ الأنشطة غير المهيكلة تتطلّب مرونة كبيرة لليد العاملة، لقاء أجور نسبيّا منخفضة مقارنة بما يضمنه العمل في القطاع المهيكل.

تقنيات تسيير وتصرّف متواضعة جدّا

الاستخلاص: كفاءة مهنيّة متواضعة ومرونة عمل عالية

--العلاقة بالسّلطة. المجلة التجاريّة، قانون الشغل والجباية وحتّى المجلّة الجنائيّة (بالنسبة للأنشطة الخارجة عن القانون : اقتصاد الجريمة)

خارج دائرة القانون

استخلاص المعاني. الوظيفة الاجتماعيّة: ينشأ النشاط الاقتصادي غير المهيكل داخل دائرة فعل السّياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للسّلطة القائمة، لكن ليس بوصفه نتيجتها المبرمجة والمتوقّعة وإنّما كتعبير عن قصورها وعن تناقضاتها الدّاخليّة. أي بروز سياسات التّنمية قد ولّد الدّيناميكيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التّي ترعرع فيها القطاع غير المهيكل. لكنّ هذا الأخير لم يكن مسجّلا ضمن أهداف هذه السّياسات، وإنّما تطوّر بدفع من الإرادة الفرديّة التّي يتحكّم فيها صراع البؤساء من أجل البقاء.

العلاقة بالمحلّي: استراتيجية الوحدة الاقتصاديّة الغير مهيكلة تتمحور حول المجال الاقتصادي المحلّي المباشر.

وظائف القطاع غير المهيكل. على الرغم من صعوبة التعرّف على الحجم الحقيقي لهذا القطاع إلاّ أنّ كافة الدّراسات والأبحاث قد أكّدت على الدّور الهامّ الذّي يضطلع به على عديد المستويات. كما بيّنت هذه الدّراسات والأبحاث أيضا أن هذا الدّور ما انفكّ يتعزّز نتيجة الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعية المتزايدة التّي تسلّطها العولمة الرّأسماليّة على البلدان النّامية.

دور هامّ في تحقيق الدّخل. ليس النّشاط في القطاع غير المهيكل هدف في حدّ ذاته، وليس كذل ضمان الرّبح أو تحقيق التّراكم الرّأسمالي من مبرّرات هذا النّشاط، وإنّما ضرورة ضمان الدّخل هي غالبا ما تكون المبرّر الأساسي والوحيد للمبادرة الاقتصاديّة غير المهيكلة. وتزداد الحاجة إلى المداخيل التّي يمكّن منها النشاط في القطاع غير المهيكل بقدر ما يكون الفقر والهشاشة منتشران، بحيث يصبح هذا القطاع الملاذ الأخير ضدّ الجوع والمرض وخشبة النّجاة من الموت. وتزداد بالقدر نفسه حدّة المنافسة من أجل الحصول على عمل والحفاظ عليه، في أوساط الطبقات الكادحة وعموم القوّة العاملة، فيما تضعف لديهم، في ظلّ هكذا شروط، مشاعر التّضامن والوعي الطّبقي.

دور هامّ في توفير الخدمات والمنافع. على الرّغم من ضعف إنتاجيّته يضطلع القطاع غير المهيكل بدور هامّ في تزويد السّوق المحليّة بعدد كبير ومتنوّع من المنافع والخدمات. ويتوجّه إنتاج القطاع غير المهيكل بدرجة أولى إلى الطّبقات الشعبيّة. كما يختصّ القطاع غير المهيكل بكونه يمثّل الاستجابة المباشرة والملموسة للطلب المحلي الخصوصي.

جيش احتياطي ينتج عنه التخفيف.

استخلاص : صمّام أمان ضدّ الأزمات الاجتماعيّة الخطيرة، من خلال دورها الهامّ في التّخفيف من حدّة البطالة من ناحية، والتخفيف من وطأة الفقر في المجتمع من ناحية أخرى.

تتطوّر القطاع غير المهيكل. ناهيك وأن مأزق التّنمية ما انفكّ يغذّي الاختلالات الإقليمية وتفاقم بشكل خاصّ التّعارض ما بين الرّيف والمدينة. كما تشدّد في الوقت نفسه آليّات الإقصاء الاجتماعي والتهميش.

بعلاقة بالعولمة كدليل على تدهور الظروف الاجتماعيّة.

إيطاليا الصين واليونان.....

ارتباط القطاع غير المهيكل بظاهرة الحوضرة. ارتباط بالحواضر العملاقة في العالم النّامي مكسكو، كلكوتا، لاغوس.... وأيضا العواصم والمدن الوسطى



[1] Do Soto, H, 1994, L’autre sentier. La révolution informelle. La Découverte, Paris.

[2] BIT, 1993a, Statistiques de l’emploi dans le secteur informe, Rapport pour la XV° Conférence internationale des statisticiens du travail, Genève 19-28 Janvier 1993, BIT.

BIT, 1993b, Rapport de la conférence, Rapport pour la XV° Conférence internationale des statisticiens du travail, Genève 19-28 Janvier 1993, BIT.

[3]    أستاذ علم الاقتصاد في جامعة فرساي الفرنسيّة وخبير دولي في موضوع القطاع غير المهيكل الذّي كان قد أجرى عديد الدّراسات حوله في تونس.

Publié dans EMPLOI

Commenter cet article