تحليل مشاكل التّشغيل

Publié le par FATHI CHAMKHI

    Caricadoc CP URSS 018

يستوجب تحليل دور العمل في الاقتصاد، دراسة تطوّر القوّة العاملة، والرّسم التخطيطي للتشغيل، وهيكلة أسواق الشّغل وأخيرا المناهج المتّبعة لقياس عروض العمل واستعمالاته.

1--تنامي سريع لعروض العمل

يُعدّ التّزايد السّريع لعُروض العمل بنسق يفوق ارتفاع الطلب على العمل، في البلدان النّامية، أحد أبرز مُعضلات التّشغيل لديها. ويلعب النموّ الديمغرافي السّريع، ممّا لا شك فيه، دور هامّ في تفسير ذلك، حيث يستتبع ارتفاع معدّل النموّ الدّيمغرافي، بعد فترة زمنيّة لا تقلّ عن 15 سنة، تزايد مناسب للقوّة العاملة. فيما يؤدّي انخفاض معدّل الولادات إلى تباطؤ تزايد هذه القوّة خلال نفس الفترة.

كما للاقتصاد دور، لا يقلّ أهميّة، في تفسير هكذا اختلال، حيث أنّ العقبات المتعدّدة التي تعرقل تحقّق التّراكم الرأسمالي وتزايد الاستثمار، تحدّد بدورها نسق إحداث مواطن الشّغل، وبالتّالي عجز الاقتصاد على الاستجابة لعروض العمل المتزايدة بالقدر المناسب.

يتزايد عدد النّاشطين في البلدان النّامية بمعدّل يفوق بكثير نظيره في البلدان المتقدّمة (الجدول الموالي)، وذلك على الرّغم من تراجع نسبة الزّيادة من 2,3 % خلال العشريّة ما بين 1970 و 1980 إلى 1,7 % في السّنوات الأخيرة. خلال نفس المدّة انخفض هذا المعدّل في أوروبا الغربيّة إلى 0,1 %، وفي أمريكا الشماليّة إلى 0,8 %.

تفاوت نسق تزايد عدد السّكان النّاشطين %

الإقليم

1970-1980

1980-1992

1992-2000

أفريقيا جنوب الصحراء

    2.5

2.5

2.8

آسيا والمحيط الهادي

    2.2

2.0

1.4

أوروبا الشرقيّة وآسيا الوسطي

-

-

-

أوروبا الغربيّة

    0.8

0.1

0.1

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

    2.8

2.8

2.7

الولايات المتحدة وكندا

    2.4

1.0

0.8

أمريكا اللاتينيّة الكراييب

    3.2

2.5

2.3

مجموع البلدان النّامية

2.3

2.2

1.7

أمّا بالنسبة لتونس فإنّ معدّل الزّيادة السّنويّة للسكّان النّاشطين قد بلغ خلال الفترة المتراوحة ما بين 1994 و 2004 1,6% مسجّلا بذلك تراجعا ملموسا مقارنة بمعدّل الفترة السّابقة، الذي بلغ 2,6 % ما بين 1975 و 1984. لكن وعلى الرّغم من هذا التباطؤ فإن نسق تزايد السكان النّاشطين لا يزال يفوق معدّل تزايد السكان الذي بلغ 1,22%.

معدّل تزايد السّكان النّاشطين في تونس (1966 – 2004)

2004

1994

1984

1975

1966

 

3328,6

2772,4

2137,2

1621,8

1093,7

السكان النّاشطين بالآلاف

1,6

2,4

2,6

4,4

-

معدّل الزّيادة السّنويّة (%)

المصدر : تعدادات السّكان، المعهد الوطني للإحصاء. تونس

2--أنماط التّشغيل

للتشغيل في البلدان النّامية خصوصيّات عديدة تميّزه عن التشغيل في البلدان المتقدّمة. وهذه الخصوصيّات هي من وجهة نظر الاقتصاد الرّأسمالي عوامل تفسّر هشاشة التشغيل وتفاقم مظاهره السلبيّة، كما تفسّر بخاصّة ضعف إنتاجيّة العمل في البلدان النّامية. ومن أبرز هذه الخصوصيّات ما يلي :

نسبة نشاط مرتفعة في الفلاحة : إنّ ما يميّز بشكل خاصّ نمط التّشغيل في بلدان العالم الثالث إنّما هو اشتغال نسبة هامّة من السكان النّاشطين بالفلاحة. وترتفع هذه النّسبة بقدر ما يكون النّاتج الفردي ضعيفا والعكس بالعكس.

وتعكس هذه النّسبة المرتفعة للنشاط في القطاع الفلاحي بدورها مساهمة الفلاحة الهامّة في إجمالي النّاتج المحلّي، مقارنة بمكانة الفلاحة في الإنتاج العامّ للبلدان المتقدّمة.

كما تجدر الملاحظة أن حصّة الفلاحة في عدد من بلدان العالم الثّالث قد تراجعت نتيجة عدّة عوامل من بينها خاصّة، اعتماد اقتصاد هذه البلدان على استخراج الخامات : النّفط بالنّسبة للسّعوديّة وعُمان وأنغولا، أو المواد الأوليّة المعدنيّة بالنّسبة للبيرو وجنوب أفريقا والأردن. كما يمكن أن نضيف إلى هذا العامل ارتفاع حصّة الأنشطة الصّناعيّة وخاصّة التطوّر الهامّ للقطاع الثالثي (غير المهيكل في أغلبه)، الذّي رافقه انخفاض نسبة النشاط في الفلاحة : بيرو 0,8 %، السّعوديّة 4,7 %، الأردن 4,7 %. أمّا في تونس فإنّ مساهمة الفلاحة في إجمالي النّاتج المحلّي قد انخفضت إلى مستوى 11 %، فيما تراجعت نسبة النشاط في القطاع الفلاحي إلى 16,5% من مجموع الناشطين (تعداد 2004).

أجور منخفضة: ومن بين الخصائص الهامّة الأخرى ما يتعلق بالمستوى المنخفض للأجور مقارنة بمقاييس النشاط الصّناعي في البلدان المتقدّمة. ويفسّر الاقتصاد الرّسمي ذلك باختلال التّوازن ما بين وفرة اليد العاملة من جهة، وندرة الموارد المتاحة[1]، التي باستطاعتها المساهمة في الرّفع من إنتاجيّة العمل وتمكين خلاص أجور مرتفعة، من جهة ثانية. كما يكن أن نذكر من بين العوامل التي تفسّر ضُعف إنتاجيّة العمل، وبالتّالي ضُعف الأجور، خصوصيّات العمل في حدّ ذاته، التّي يحدّدها مستوى التّعليم، والوضع الصحّي، والكفاءة المهنيّة، والخبرة الصّناعيّة...

لكنّ هذا التّفسير لا يشير إلى كيفيّة توزيع الثروة المنُتجة. حيث أن السّوق لا تؤدّي من تلقاء ذاتها إلى توزيع "عادل" للدّخل، بل يتحقّق ذلك بفعل عديد العوامل التي منها بخاصّة طبيعة تراكم رأس المال ومستوى الاستثمار المنتج، وكيفيّة تحقيق فائض القيمة، ونوعيّة العلاقات الاجتماعيّة السّائدة، وميزان القوّة الاجتماعي ما بين العمل ورأس المال، وطبيعة الدّولة القائمة، ودرجة الحرّيات التي يتيحها النّظام السّياسي للعمل للسّعي لتحسين حصّته من نتاج العمل... وهي كلّها عوامل لا تقلّ أهميّة عن العوامل المذكورة أعلاه في تحديد الحصّة النهائيّة التي تحصل عليها قوى العمل في بلد ما.

تفاوت مستوى الأجور على النّطاق المحلي: بالإضافة إلى تفاوت مستوى الأجور، مقارنة بالبلدان الصّناعيّة، تشهد الأجور ما بين شريحة اليد العاملة ذات الكفاءة وبين التي ليس لها تأهيل مهني، تفاوتا يفوق مستوى ما هو معمول به في الأقطار الصّناعيّة. فبينما يبلغ الفارق ما بين أجور العمّال بالسّاعد الأكفّاء ونظراءهم الأقل تأهيلا نسبة تتراوح ما بين 20 و 40% في الأقطار الصّناعيّة، يرتفع هذا الفارق إلى ما بين 40 و 80% في آسيا، وما بين 70 و 100% في أمريكا اللاّتينيّة، فيما يفوق 100% في أفريقيا جنوب الصّحراء. ويعكس هذا التّفاوت بدوره ندرة الكفاءات المهنيّة العالية في البلدان النّامية، كما أيضا تجزئة أسواق الشغل في هذه البلدان.

نقص التشغيل: كما يتميّز السكّان الناشطون في بلدان العالم الثّالث بأهميّة الشريحة من العمّال التي لا تعاني من نقص في تشغيلها، علما بأنّ إحصائيّات البطالة لا تأخذ في الاعتبار هذا النّقص في التشغيل الذي يندرج ضمن ما يسمّى البطالة المقنّعة. وتجدر الملاحظة هنا أن وضعيّة البطالة المقنّعة لا تنفي ممارسة الناشطين الذين يدخلون في دائرتها لعمل ما. كما لا تعني البطالة المقنّعة بالضّرورة مدّة عمل يوميّة قصيرة، إنّما الأهمّ هنا هو المساهمة شبه المنعدمة لمن ينتمون إلى هذا الصّنف من النّاشطين في نموّ الإنتاج العامّ للبلاد.

خلاصة القول هو أنّ ضعف الأجور وضعف إنتاجيّة العمل وأهميّة التفاوتات في الأجور والتزايد السّريع للسكّان النّاشطين ونقص التشغيل علاوة على ارتفاع حجم البطالة هي كلّها خصائص تميّز أقطار العالم الثّالث. لكنّ الاشتراك في هذه الخصوصيّات لا يمنع وجود تفاوتات كبيرة من بلد إلى آخر، فعلى سبيل المثال تشهد آسيا تباطؤ النموّ الدّيمغرافي فيما يتواصل ارتفاعه بشكل ملحوظ في أفريقيا جنوب الصّحراء. كما أن نقص تشغيل النّاشطين غالبا ما تكون له علاقة بمدى توفّر الأراضي الزّراعيّة.

هيكلة أسواق الشغل

تعتبر النظريّة الاقتصاديّة اللّيبراليّة العمل مجرّد بضاعة تباع وتشترى في الأسواق مثل سائر البضائع. كما تعتبر العمل عامل من عوامل الإنتاج على غرار رأس المال والموادّ الأوليّة، والتّي تدخل كلّها في سيرورة الإنتاج بهدف خلق المنافع والخدمات. فالعمل هو إذا مورد من موارد الشّركات الاقتصاديّة. تسقط هذه النّظرة "المتطرّفة" عديد الأبعاد الهامّة الأخرى للعمل، حيث لا يمكن مثلا اختزال النّشاط البشري في كميّة ما من ساعات العمل. في حين نعلم أنّ هذا النشاط هو على درجة كبيرة من التنوّع، بالإضافة إلى كون إنتاجيّته تتوقّف على طريقة تنظيم العمل.

إن السّوق المثلى (أي الحرّة) التّي من بينها سوق العمل، كما يتصوّرها الاقتصاديّون اللّيبراليّون، هي التي تمكّن التّوظيف الأفضل للموارد المتاحة بواسطة الأسعار. لكنّ أسواق العمل (الشّغل) في العالم الثّالث تتميّز في اعتقادهم بعدّة تشويهات تعيق عمل آليّات المنافسة التي تصبح عاجزة على لعب دورها في تحديد حرّ للأجور (سعر قوّة العمل). ومن أبرز هذه التشويهات التجزئة الهامّة لأسواق الشغل. إنّ البلد النّامي المثالي هو الذّي تكون فيه أسواق الشّغل مهيكلة على المستويات الثلاثة التّالية:

القطاع المهيكل. يضمّ الوظيفة والمؤسّسات الاقتصاديّة الكبرى (بنوك، شركات تأمين، معامل وشركات تجاريّة...). يرغب الجميع في العمل داخل وحدات هذا القطاع وذلك لعدّة أسباب: فهو عادة ما يكون مرادف الاستقرار في العمل، والأجر المرتفع بالمقارنة مع الأجور والمداخيل التّي يوفّرها النشاط خارج هذا القطاع. وبالتّالي فإنّ مجرّد الإعلان على فتح وظيفة أو شغل جديد، يأتي مئات أو حتّى آلاف المرشّحين على أمل الظفر بالشغل المقترح. ويعود السّبب في ارتفاع الأجور إلى كون القطاع المهيكل يجذب إليه الكفاءات العلميّة والمهنيّة من بين الحائزين شهادات جامعيّة، أو على الأقلّ الذّين زاولوا تعليمهم بالمرحلة الثّانويّة. لكن في مقابل الأجور المرتفعة نسبيّا، فإنّ انتقاء العاملين في القطاع، من طرف المشغّلين، غالبا ما يكون أكثر صرامة، وهو ما يضمن لهم تشغيل أفضل المترشحين من حيث التكوين العلمي والمهارة المهنيّة والخبرة الفنّيّة. ونتيجة لذلك يكون مستوى إنتاجيّة العمل أفضل بكثير ممّا هو عليه الحال خارج القطاع المهيكل.

القطاع غير المهيكل. هو الجزء من سوق الشغل في البلدان النّامية الذّي يستوعب عددا هامّا من طالبي الشغل والعاطلين عن العمل في إطار التشغيل الذّاتي أو وحدات إنتاجيّة صغيرة تتميّز من حيث طبيعتها الاقتصاديّة خاصّة من حيث الحجم وطريقة تنظيم إنتاجها وطرق تسييرها، ومن حيث علاقتها بمؤسّسات الدّولة وبنظامها القانوني.

فتحي الشامخي، 2007



[1]  وهي الموارد المادّية : مواد تجهيز، عملة أجنبيّة، أراضي زراعيّة والموارد الفكريّة : روح المبادرة ومؤهّلات الإدارة والتّصرّف الاقتصادي.

Publié dans EMPLOI

Commenter cet article