الحقّ في العمل وتحـوّلات قوانين الشّغـل

Publié le par FATHI CHAMKHI

    Caricadoc CP Urss d 001يعدّ تمكين القوّة العاملة من الانخراط في سيرورة العمل المنتج من المقوّمات الرئيسيّة للحياة. حيث يعدّ مصدر الدّخل الوحيد لأغلبيّة السكّان، وبالتّالي فهو مقوّم الحياة وعنصر التّنمية الإنسانية الرّئيس، علاوة عن كونه حقا أساسيّا معترف به، وعاملا محددا لهويّة الإنسان يعطي لحياته معنى وكرامة، وهو يطرح على بساط البحث مسائل عديدة أهمّها: --معرفة مدى ما يتيحه البلد المعني من فرص عمل أمام مواطنيه، وما يبذله من جهود لتعزيز قدراتهم على الانخراط في العمل المنتج، وما يتيحه ذلك من إمكانات لهؤلاء قصد تحسين ظروف حياتهم المعيشيّة.

--ثمّ معرفة مدى توفّر تشريعات وأطر مؤسّساتيّة تتيح للقوّة العاملة الدّفاع عن حقوقها، وإمكانيّة تطويرها، والمشاركة في القرارات التي تحدّد ظروف حياتهم حاضرا ومستقبلا.

يتّصف العصر الرّاهن، أي عصر الرّأسماليّة الليبراليّة الجديدة، بتعاظم الضّغوط المسلطة على العمل بفعل احتداد المنافسة داخل سوق معولمة تتحكم فيها شركات عبر قطريّة لها نفوذ اقتصادي وسياسي غير مسبوق. وتعدّ إعادة هيكلة سوق الشّغل أحد أبرز محاور تقدّم العولمه. ويتمّ تنفيذ إعادة الهيكلة في البلدان النّامية، منذ ربع قرن، في إطار برامج التّعديل الهيكلي التي يشرف على تطبيقها كلّ من البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي. وكذلك، بالنسبة لبقيّة أقطار العالم، ضمن ما يسمّى "توافق واشنطن"، أي الادّعاء بأنّ الرّأسماليّة الليبراليّة الجديدة هي المستقبل الوحيد الممكن أمام البشريّة.

تهدف هذه السياسة إلى إضفاء المزيد من المرُونة على استخدام قوّة العمل، خاصة عن طريق تليين التّشريعات الاجتماعية، وفي مقدمتها قوانين الشغل بهدف تمكين رأس المال من التصرّف الحرّ في "الموارد البشريّة". وتسعى إعادة هيكلة سوق الشّغل بخاصّة إلى تحقيق الأهداف التّالية :

--تليين شروط الطرد من العمل، والتّشريع المتعلق بمدّة العمل، والإطار القانوني المتعلق بالانتداب (عقود عمل قصيرة المدّة بدل العقود طويلة المدّة)، وآليّات تحديد الأجور.

--رفع في سنّ التقاعد وخوصصة أنظمة الجراية الاجتماعيّة، كما الزّيادة في عدد سنوات المساهمة في الصّناديق الاجتماعيّة الضّروريّة قبل الحصول على جراية التّقاعد.

--إضعاف قاعدة التّفاوض الجماعي وتقليص مجاله في حدود المؤسّسة الواحدة، ونسف أركان نظام التّفاوض القطاعي الجماعي، والتّضييق على الممارسة الحرّة لحقّ الإضراب.

وفي ما يلي حوصلة لما تتضمنّه أبرز المعاهدات وتشريعات العمل الدّولية من اعتراف بحقّ العمل، واستعراض لأهمّ أشكال العمل المستحدثة أو التي يتمّ تدعيمها في إطار سياسة مُرونة التّشغيل.

1-العمل حقّ أساسي معترف به     في المعاهدات والمواثيق والاتّفاقات الدّوليّة

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 8 ديسمبر 1948

المـادة 23. لكل شخص حقّ في العمل، وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومرضيّة، وفي الحماية من البطالة.

لجميع الأفراد، دون أي تمييز، الحق في أجر متساو على العمل المتساوي.

لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضيّة تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشريّة وتستكمل، عند الاقتضاء، بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

لكل شخص حق إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.

المادة 24. لكل شخص حق في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصا في تحديد معقول لساعات العمل وفي إجازات دوريّة مأجورة.

المادة 25. لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبيّة وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يؤمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجيّة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.

*العهد الدّولي الخاصّ بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة 16 ديسمبر 1966

الجـزء الثالث. المادّة 6

--تعترف الدّول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل، الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانيّة كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحريّة، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق.

    --يجب أن تشمل التدابير التي تتخذها كل من الدول الأطراف في هذا العهد لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق توفير برامج التوجيه والتدريب التقنيين والمهنيين، والأخذ في هذا لمجال بسياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة مطردة وعمالة كاملة ومنتجة في ظل شروط تضمن للفرد الحريات السياسية والاقتصاديّة الأساسيّة.

المادّة 7. تعترف الدّول الأطراف في هذا العهد بما لكل شخص من حق في التمتع بشروط عمل عادلة ومرضيّة تكفل غلى الخصوص :

    --أجرا منصفا، ومكافأة متساوية لدى تساوي قيمة العمل دون أي تمييز، على أن يضمن للمرأة خصوصا تمتعها بشروط عمل لا تكون أدنى من تلك التي يتمتع بها الرجل، وتقاضيها أجرا يساوي أجر الرجل لدى تساوي العمل.

    --عيشا كريما لهم ولأسرهم طبقا لأحكام هذا العهد.

ب- ظروف عمل تكفل السّلامة والصحة،

ج- تساوي الجميع في فرص الترقية، داخل عملهم، إلى مرتبة أعلى ملائمة ، جون إخضاع ذلك إلا لاعتباري الأقدميّة والكفاءة،

د- الاستراحة وأوقات الفراغ، والتحديد المعقول لساعات العمل، والإجازات الدوريّة المدفوعة الأجر، وكذلك المكافأة عن أيام العطل الرسميّة.

المادّة 8

--تتعهد الدّول الأطراف في هذا العهد بكفالة ما يلي :

أ- حق كل شخص في تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين وفي الانضمام إلى النقابة التي يختارها، دونما قيد سوى القواعد المنظمة المعنية، على قصد تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها. ولا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لأيّة قيود غير تلك التي ينصص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم،

ب- حق النقابات في إنشاء اتحادات أو اتحادات حلافيّة قوميّة، وحق هذه الاتحادات في تكوين منظمات نقابية دولية أو الانضمام إليها،

ج- حق النقابات في ممارسة نشاطها بحرية، دونما قيود غير تلك التي ينصص عليها القانون وتشكل تدابير ضروريّة، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة المن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم،

د- حق الإضراب، شريطة ممارسته وفقا لقوانين البلد المعني.

كما وردت حقوق الشغل بشكل مفصل وشامل في التشريع الاجتماعي الدولي المتضمن في مختلف اتفاقات المنظمة الدوليّة للشغل، والتي بلغ عددها، بعد مرور ثمانين سنة عن تكوين المنظمة، 184 اتفاقا.

ومنذ قمة كوبنهاغن الاجتماعية التي التأمت سنة 1995، وقع التوافق على اعتبار 8 اتفاقات بصفتها أساسيّة وهي الاتفاقات الخاصّة بـ :

++الأشغال الشاقّة (الاتفاقيتين عدد 29 و 105)،

++التمييز (الاتفاقيتين عدد 100 و 111)،

    ++الحريّة النقابيّة والمفاوضات الجماعيّة (الاتفاقيتين عدد 87 و 98)،

    ++عمل الأطفال (الاتفاقيتين عدد 138 و 182)،

مع اعتبار 4 اتفقات ذات أولويّة وهي الاتفاقات : الخاصة بتفقد الشغل (الاتفاقيّة عدد 81)، والاتفاقيّة عدد 122 حول سياسة التّشغيل، والاتفاقيّة عدد 129 حول تفقد الشغل في قطاع الفلاحة، والاتفاقيّة عدد 144 المتعلقة بالمشاورات الثلاثيّة حول معايير العمل الدولي.

2-....لكن حقّ تنال منه العولمة

خلال العقود الأخيرة، ظهرت أشكال هشة من التّشغيل فيما تدعّمت أشكال التّشغيل الهشّة الأخرى خاصة منها عقود العمل الوقتيّة لمدّة معينة ومؤسسات اليد العاملة الثانويّة بما فيها العمل بالمناولة ومؤسسات العمل الوقتي.

أ- العمل الوقتي والعقود لمدة معيّنة

يسعى الرأسمال ضمن سياسة مرونة التّشغيل إلى نزع الطابع القار عن العمل وتعويضه بالعمل الوقتي، وبالتالي تعويض طبيعة عقد العمل من عقد غير معيّن المدّة إلى عقد معيّن المدّة.

وفي تونس، وبعد صدور قانون 15 جويلة 1996 المنقح لقانون الشغل، أصبح اللجوء إلى عقد الشغل لمدة معيّنة يشمل الأعمال القارّة إلى جانب الأعمال ذات الطبيعة غير الدائمة. وبالتالي لم يعد هناك تحديد دقيق ما بين النشاطات التي تكتسي بطبيعتها صبغة ظرفيّة أو موسميّة وتلك التي تكتسي طابعا قارا.

كما لا يتضمن عقد العمل معين المدة وجوب إعلام الأجير، قبل انتهاء مدة العقد، بعدم تجديد العقد. لذلك لا يضمن عقد العمل من هذا الصنف تأمين العمل للأجير الذي يتحول بمقتضى هذا العقد إلى مجرد قوة عمل تستغل بأقصى شدة عند استعمالها ويلقى بها بكل سهولة عندما لم يعد هناك مبرّر اقتصادي لتشغيلها.

ب- مؤسسات اليد العاملة الثانويّة وإشكاليّة العمل بالمناولة

تتضمن مجلة الشغل في تونس عدة أشكال قانونيّة لتوفير اليد العاملة. ومن بين هذه الأشكال عقد مؤسسة اليد العاملة الثانويّة الذي يتضمن بدوره شكلين من عمليّة توفير اليد العاملة هما : إسداء الخدمات والمناولة.

المناولة : هي العمليّة التي تقوم من خلالها المؤسسة الطالبة بنقل كامل عمليّة الإنتاج أو جزء منها بصفة دائمة أو وقتيّة إلى مؤسسة أخرى تتكفل بالتنفيذ طبقا لكراس شروط يتمّ إعداده مسبقا مع احتفاظ المؤسسة الأولى بالمسؤوليّة النهائية الناشئة عن العمليّة.

أما إسداء الخدمات فهو العملية التي تتولى من خلالها المؤسسة صاحبة الطلب أو المستفيدة نقل الخدمات التي لا تندرج مباشرة ضمن دورة الإنتاج إلى مؤسسة أخرى.

ويتمثل الهدف الأساسي للمناولة وإسداء الخدمات في تقديم بعض الخدمات أو إنجاز بعض الأعمال. لكن غالبا ما تتحول هذه الصيغ التّشغيليّة إلى آليات لتوفير اليد العاملة أو إعارتها بهدف الربح. وهي بهذه الشكل تصبح مجرد مؤسسات اتجار وسمسرة باليد العاملة.

ج- مؤسسات العمل الوقتي

وهي مؤسسات تتضارب، في وجودها والتشريعات الجاري بها العمل في تونس، حيث حلت محل مكاتب التّشغيل، وأصبحت تمثل مكاتب تشغيل خاصة محجّرة بشكل واضح في مجلة الشغل.

ثم إن مؤسسة العمل الوقتي توظف وتدفع الأجر بصفتها مؤجرا والمؤسسة المستخدمة تمارس السلطة القانونية على الأجير الموضوع على ذمّتها. وهذا الشكل من أشكال التّشغيل لا ينظمه القانون التونسي بل إن الواقع يشهد خروقات جمة تتضارب والتشريعات الجاري بها العمل.

فتحي الشامخي، 2007

Publié dans EMPLOI

Commenter cet article