مفاهيم العمل والانتاج

Publié le par FATHI CHAMKHI

CC 21971    التّشغيل. إنّ المقصود بالتّشغيل على وجه الدّقة هو طلب العمل من قبل المؤسّسات الاقتصاديّة، خاصّة كانت أم عموميّة (رأس المال)، أي استخدام (توظيف) الرأسمال للموارد البشريّة (القوى العاملة) في النشاط الاقتصادي. ويشير هذا المفهوم بالإضافة إلى ذلك إلى السّياسات الحكوميّة في مجال استخدام العمل. كما يعبّر التّشغيل في عصرنا على العلاقة الاجتماعيّة القائمة ما بين رأس المال من جهة، والعمل من جهة ثانية، والتي تتمّ في إطار العلاقة الأجريّة.   وليس المقصود هنا برأس المال كميّة المال التي تكون في حوزة شخص ما، والذي يستعمله قصد الحصول على كميّة أكبر من المال عوضا عن أنفاقه لتلبية حاجيات مباشرة، وإنّما بوصفه علاقة اجتماعية بين الرأسماليين (مالكي وسائل الإنتاج) وبين الأجراء (يملكون قوّة عملهم فقط)، أي علاقة تتيح لمن يملك رأس المال أن يتملك فائض القيمة التي ينتجها استخدام قوّة العمل في سيرورة الإنتاج (وهو شرط تراكم رأس المال).   ويعدّ التّشغيل اليوم قضيّة مركزيّة بالنسبة لكافة المجتمعات نظرا لتعدّد وظائفه وأهميّتها فبواسطته يتمّ دمج العمل في سيرورة الإنتـاج، باعتباره أحد عنصرها الأساسية، وبالتالي عامل تنمية القيمة وتحقيق التراكم الرأسمالي. كما يُمكّن التّشغيل الأجراء من الحصول على دخل يضمن لهم وسائل العيش، ويمكنهم من إعادة إنتاج قوّة العمل وتنشيط الاستهلاك وتحقيق فائض القيمة. وأخيرا باعتباره أبرز أداة للاندماج الاجتماعي.

وتشهد مختلف هذه الوظائف اضطرابات هامة نتيجة ضغوط العولمة على أسواق الشغل، إذ ينتج عن إدماج تكنولوجيات وأنماط جديدة لتنظيم العمل، تحوّلات في سيرورات الإنتاج تؤدّي بدورها إلى إقصاء المزيد من القوى العاملة، الذين لا تتوفر فيهم الكفاءة المهنية المطلوبة، من دائرة الإنتاج وتدفعهم نحو قطاعات النشاط غير المهيكل. كما ينتج عن هذه الضغوط تراجع مستوى الأجور وتقلص حصّتها من الناتج الدّاخلي الخامّ. كما يؤدّي تزايد البطالة واتساع دائرة الأنشطة الهامشية إلى تعطل بالقدر ذاته لوظيفة الاندماج الاجتماعي للتشغيل.

يعكس مستوى التّشغيل العامّ في بلد ما مدى قدرة الاقتصاد المحلي على استخدام طاقات العمل الكامنة في المجتمع. ويتحدّد عموما هذا المستوى بعلاقة بثلاثة عناصر أساسيّة هي مستوى الإنتاج، وإنتاجيّة العمل (ويتحدّد هذان العاملان بدورهما بمستوى تراكم رأس المال) وبمدّة العمل.

أمّا من منظور الاقتصاد الليبرالي الجديد فإن مستوى التّشغيل يتحدّد، خلافا لما سبق ذكره، بعلاقة بمستوى الأجور. أي أنّه بقدر ما تكون الأجور منخفضة يكون التّشغيل (طلب العمل) أكثر ارتفاعا، والعكس بالعكس. وبالتالي يدعو الليبراليّون إلى مزيد الضّغط على الأجور قصد التخفيض من مستوى البطالة. وهذا الادعاء يتناقض في حدّ ذاته مع الأهداف المعلنة للسّياسات الاقتصاديّة السائدة التي تحثّ على النموّ المستمرّ للإنتاج باسم صيانة التّشغيل والرّفع من مستواه. بينما يستعمل التّشغيل، في ظل السّوق الرّأسماليّة المعولمة أكثر من السّابق، كمتغيّر تصحيحي في خدمة التراكم الرأسمالي.

أمّا الشغل فهو ما ينتج عن التّشغيل. ويفيد المعنى المتداول للشغل ممارسة عمل بمقابل، وبالتالي فإنّ هذا المعنى يقصي من دائرة الشغل كافة الأنشطة التي تمارس خارج دائرة الاقتصاد النقدي (السّوق). تبعا لذلك يقصي الفكر الاقتصادي الرأسمالي من الشغل كلّ العاملين خارج السّوق. إن أبرز نتيجة مباشرة لذلك هو عدم اعتبار عمل النساء بالبيوت، على الرغم من أهميّته الاقتصاديّة والاجتماعيّة، موضوع قياس اقتصادي، وتعتبر العاملات في البيوت غير مشتغلات ("بلا شغل").

العمــــل. هو خاصّة بشريّة. وهو يفيد، بالمعنى الواسع، كلّ نشاط بشري يهدف إلى إنتاج منافع (إنتاج مادي) أو خدمات (إنتاج لا مادّي) لها قيمة استعماليّه، سواء كان ذلك في إطار علاقات نقديّة (بضائع) أو لا (عمل المرأة في البيت، عمل تطوّعي..). كما يوجد تعريف أضيق للعمل يعتبره نشاط بشري يتحقق في إطار علاقات اجتماعيّة محدّدة تاريخيّا. من ذلك العمل المأجور باعتباره شكل العمل المهيمن في ظل الرّأسماليّة.

يتميّز العمل، من منظور الاقتصاد الليبرالي من حيث أهدافه وفائدته ومن خلال قيمة المواد التي يخلقها. بينما يشدّد اقتصاديّون آخرون، من أمثال ماركس، على العلاقة الديناميكيّة ما بين الإنسان والطبيعة، وهو يعرّف العمل بأنه تحويل الإنسان للطبيعة بواسطة التقنية، وهو تحويل ينعكس على الإنسان الذي يتحوّل بدوره. أي أن الإنسان ينشأ بواسطة العمل.

كما يحمل مصطلح العمل معاني كثيرة أخرى، مثل اعتباره نتاج نشاط ما، كأن نقول "يُسَلمُ النجّار عمله"، أو عندما نتحدّث عن أعوان التنفيذ في مؤسّسة أو مهنة خلافا للإدارة، من ذلك قولنا ممثلي العمل في هيئة المؤسّسة، أو عندما نعتبر مجموعة العمّال بمثابة عامل إنتاج إلى جانب رأس المال.  

+سير العمل "Procès de travail    ". يتمثل كل إنتاج في تحويل الموادّ الطبيعيّة الخامّ أو نصف الخامّ إلى مواد جديدة بفضل أدوات العمل. ويتحقّق الإنتاج في إطار ما يسمّى "سير العمل" الذي يحدث من خلاله النشاط البشري، بواسطة وسائل العمل، تحويل موضوع العمل بهدف تلبية حاجة بشريّة محدّدة. لذلك فإن سير العمل يتضمّن ثلاثة عناصر هي : المادّة التي تمثل موضوع العمل، وأدوات العمل، ثم قوّة العمل البشريّة. وهو ينمو بطريقة جدليّة، أي أنّ أي تغيير يعتري أحد مكوّناته الثلاثة ينجرّ عنه تغيير المكوّنات الأخرى. أمّا النتيجة فتتمثل في القيمة الاستعماليّة التي يتمّ الحصول عليها، أي خاصّة المنتوج في كونه يلبّي حاجة بشريّة محدّدة.

+القوى المنتجة. هي عناصر سير العمل، خاصّة منها قوّة العمل ووسائل العمل، التي يقع اعتبارها من حيث طاقتها الإنتاجيّة. إذ عندما نقول أنّ مستوى تطوّر القوى المنتجة في بلد ما يفوق مستواها في بلد آخر، فذلك يعني أنّ كفاءة قوّة العمل ومعدّات العمل المتوفّرة في البلد الأوّل أكثر تطوّرا ممّا هو عليه الحال في البلد الثاني.

++علاقات الإنتاج. من خلال تحويله للطبيعة لا يتصرّف الإنسان بصفة منعزلة، وإنّما يدخل في علاقة مع المنتجين الآخرين. أي أن البشر يقيمون في ما بينهم، من خلال سيرورة الإنتاج، علاقات إنتاج ذات طبيعة مزدوجة :

++علاقات إنتاج تقنيّة: هي العلاقات التي تربط العامل بوسائل العمل. وهي تطرح على بساط الدّرس مسائل على غاية من الأهميّة تتمثل في معرفة من يحدّد كيف وماذا ننتج ؟ ومتى وأين ننتج ؟ فعندما يكون المنتج المباشر متحكما في هكذا قرارات، على غرار ما كان يحدث في إطار المجتمعات البدائيّة، فإنّه يكون متحكما في نشاطه المنتج ومتحرّرا من أيّ شكل من أشكال الهيمنة الاجتماعية. لكنّ المنتج المباشر يفقد، بالتوازي مع ظهور التّمايز الطبقي للمجتمعات، وما ينتج عنه من فصل بينه وبين وسائل عمله، قدرته على التحكم في سيرورة الإنتاج، ليصبح خاضعا لهيمنة مالكي وسائل العمل.

++علاقات إنتاج اجتماعية: عندما تكون وسائل الإنتاج مملوكة بصفة جماعيّة، مثلما هو الشأن في المجتمعات البدائيّة، فإن المنتج المباشر لا يخضع لأيّ استغلال. أمّا في إطار المجتمعات الطبقيّة، خاصّة منها المجتمع الرأسمالي، يصبح المنتج المباشر (الأجير) خاضعا إلى استغلال مالك وسائل العمل (الرأسمالي). وتربط هنا أيضا علاقة جدليّة ما بين تطوّر سير العمل من جهة، وتطوّر علاقات الإنتاج من جهة ثانية.

+نمط الإنتــــــاج. هو مجموع علاقات الإنتاج الموجودة في صلب مجتمع ما من ناحية، ومجموع القوى المنتجة من ناحية أخرى.

    +القيمـــــــــة تحتوي كل بضاعة على قيمتين، قيمة استعماليّة وأخرى تبادليّة. وتتحدّد القيمة التبادليّة لبضاعة ما بواسطة كميّة العمل الضروريّة لإنتاجها، والتي هي في نفس الوقت القاسم المشترك ما بين جميع البضائع.

فتحي الشامخي، 2007

Publié dans EMPLOI

Commenter cet article