عصر الرّأسماليّة الليبراليّة الجديدة

Publié le par FATHI CHAMKHI

    Caricadoc Urss a 014يعيش العالم، منذ بداية الثمانينات، في ظل العولمة (عصر الرّأسماليّة الليبراليّة الجديدة) أي عصر تفكيك كافة الحدود السّياسيّة والاجتماعيّة والايكولوجيّة التي تحدّ من حريّة نشاط الرّأسمال المطلقة. ويتمّ تعميم نظام الرّأسماليّة الليبراليّة الجديدة على كوكب الأرض من خلال السّلعنة المعمّمة، ودعم حرّيّة تصرّف الأعراف والمستثمرين، وتوسيع المجال الجغرافي لتدخل الشراكات العابرة فوق القوميّة ليشمل كافة أرجاء الكون.   وتهدف الرّأسماليّة الليبراليّة الجديدة إلى التقوية المستمرّة لثقل الرّأسمالييّن في ميزان القوى مع الأجراء. وتتغذي في الوقت ذاته من الفوارق الكبيرة التي تخلقها بين مختلف الشرائح الاجتماعيّة من ناحية، وبين مختلف البلدان من ناحية أخرى، وكذلك ما بين النساء والرّجال. وتنمّي لدى الأفراد التصرّفات التنافسيّة والعدوانيّة، وحبّ النفوذ والتكالب على المال، على حساب قيم عديدة في مقدّمتها التضامن والتعاون.   كما يستند النظام الاجتماعي العالمي الجديد إلى اشتداد علاقة القوّة التي تربط البلدان الغنيّة، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة الأمريكيّة، والبلدان الفقيرة. وهو نظاما يمكن الولايات المتحدة الأمريكيّة من امتصاص جزء هامّ من ادخار بقيّة البلدان لكي تستثمره لديها بربح وفير. وتسعى كلّ من أوروبا واليابان إلى تقاسم دور "نهّابي الكوكب" مع الولايات المتحدة الأمريكيّة.

في الوقت نفسه تحاول عدّة بلدان "ناهضة"، خاصّة الصّين والهند، دخول حلب الاقتصاد العالمي الجديد والظفر بحصّتها من الغنيمة، مراهنة في ذلك على رخص سعر اليد العاملة لديها. ويقوم نظام الرّأسماليّة الليبراليّة الجديدة عموما على دعائم سبعة هي :

تحرير المبادلات وتنقل رؤوس الأموال : أي فتح كافة الحدود التجاريّة من خلال الحذف التدريجي للمراسيم الجمركيّة، ولكافة الحواجز غير التعريفيّة، وللتقييدات الكميّة لمبادلات المواد والخدمات. ويتمّ ذلك دون مراعاة الاعتبارات الاجتماعيّة والإيكولوجيّة والحقوق الإنسانية.

وتضعف هذه السّياسة بالقدر ذاته قدرة الدّول على تحديد سياسات مستقلة تستجيب لتطلعات مواطنيها ولطموحاتهم. ويتمّ فرض القواعد الجديدة بواسطة الاتفاقيّات الثنائيّة التي عادة ما تكمّل عمل المنظمة العالميّة للتجارة التي تفضي عليها صبغة الكونيّة.

وتشمل حريّة تنقل رؤوس الأموال، حريّة استثمارها الجغرافي وحريّة سحبها دون مانع أو رقيب من أي جهة كانت بخاصّة البلد المضيّف. ويترتب عن ذلك تركز الإنتاج حيث يكون سعر قوّة العمل زهيدا، وحيث تكون المعايير البيئيّة والجبائيّة الأكثر تسامحا، وحيث يكون النظام بالإضافة إلى كلّ ذلك مستتبّا. وتؤدّي بدورها هذه الحركيّة المتزايدة لرؤوس الأموال إلى تشديد التنافس المباشر بين مختلف الأنظمة الاجتماعيّة وعمّال أقطار المركز الرأسمالي وأقطار المحيط لفائدة الرأسمال.

ويمثل التحرير الكامل للمبدلات التجاريّة وحريّة تنقل رؤوس الأموال وجهان متلازمان لنفس السّيرورة التي تطال كافة الأنشطة البشريّة والتي تفضي إلى سلعنتها بعيدا عن كل رقابة ديمقراطيّة.

الطبيعة بصفتها خزان لا ينفذ ومزبلة في آن : يعتبر الليبراليّون الطبيعة خزّانا بإمكانهم أن يغرفوا منه بلا حدود، ومزبلة عموميّة شاسعة. وفي كلتا الحالتين يكون ثمن هذه العلاقة بالمحيط أشدّ وطأة بالنسبة للبلدان الأكثر فقرا : فمن ناحية، تستولي الشركات متعدّدة الجنسيّات على مواردها الطبيعيّة وعلى تنوعها الإحيائي، ومن ناحية أخرى "تتلقي" هذه البلدان الفضلات الصّناعيّة الملوثة والخطيرة.

مصادرة الديمقراطيّة : يزعم الفكر السّائد أن الحرّيّات السّياسيّة و"الحرّيّات" الاقتصاديّة متلازمة. بينما يبرهن مثالا شيلي في عهد بينوشاي والصّين اليوم أن شروط الديمقراطية لا تنبثق بصفة آليّة من الليبراليّة الاقتصاديّة، وأن اللبراليّة الاقتصاديّة الأكثر قصويّة بإمكانها أن تتناغم مع الأنظمة الأكثر تسلطا بما فيها الدكتاتوريّة.

ويتدعّم هذا السّياق على المستوى العالمي بواسطة الضغوط التي تمارسها اللوبياّت الممثلة للمصالح الرأسماليّة تجاه البرلمانات، بخاصّة في بلدان الشمال، لمنعها من سنّ تشريعات من شأنها أن تحدّ من حريّة الرأسمال. وكذلك بفضل ما تقوم به "الماسميديا" العالميّة من تقييد للممارسة الديمقراطيّة، وذلك عبر تضييقها للخيارات السّياسيّة المُمكنة، وشجبها لكل التعبيرات التي تتجاوز تلك الدائرة الضيّقة بدعوى أنّها تعبيرات بالية أو شعبويّة على غرار ما يحدث مع كل من حكومتي فنزويلا وبوليفيا التي تسعى إلى إعادة بسط سيادتها على ثرواتها الطبيعيّة وإلى إعادة توزيع الثروات بما يفيد الشرائح الشعبيّة.

سياسات عموميّة في خدمة الرّأسماليّين :     تمكنت السّياسات الليبراليّة، على المستويات المحليّة والوطنيّة والإقليمية، من دفع سياسات التعديل العموميّة إلى الوراء لصالح السّوق. ولقد أصبحت السّياسات العموميّة تبحث قبل كل شيء إلى الرّفع من جاذبيّة الأقاليم، أي تمكين الشركات من تحقيق نسب الربح الأقصى. فهي تفضل الاستقرار النقدي ونسب الفائدة الحقيقيّة العالية وتسعى إلى حركة جولان الموادّ والخدمات ورؤوس الأموال. في الأثناء تناقص، ضمن هذه السّياسات الاهتمام بقضايا التّشغيل والحماية الاجتماعيّة.

يلعب على الصعيد العالمي صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي دور الشرطي الليبرالي الجديد تجاه البلدان النّامية حيث يتوليان فرض تفكيك منظومات الخدمات الاجتماعيّة والحماية الاجتماعيّة وتوجيه جزء متنام من الميزانيّات العموميّة نحو تسديد خدمة الدّين الخارجي.

كل الفوائد داخل الشركات للمساهمين في رأس المال : وقع منذ بداية الثمانينات إعادة تركيز أهداف التصرّف داخل الشركات لجعلها بالكامل في خدمة حاملي الأسهم، وبالتالي إلى وضع تقسيم جديد للثروة المنتجة بين الأجور والأرباح لصالح هذه الأخيرة. لقد كان جزء كبير من الأرباح في الفترة السّابقة يبقى بحوزة الشركة التي كانت تستخدمه في الاستثمار المنتج، الذي ينتج عنه خلق مزيد من الشغل. أمّا الآن فإن الأرباح توزّع بقدر أكبر على الشرائح الميسورة التي بحوزتها الأسهم.

حالة الحرب الدائمة والسياسات الأمنيّة : يجد "الاقتصاد الضّاري" للقوى العظمى امتداده في "الحرب الدّائمة" من أجل السيطرة على الموارد الطبيعيّة، بخاصّة الطاقيّة. لكن استعمال الحرب هو قبل كل شيء تعبير عن عزيمة الهيمنة بشكل عامّ.

إن الدّول العظمى التي يتجمع جلها في منظمة حلف شمال الأطلسي وراء قيادة واشنطن، وأجهزتها العسكريّة والأمنيّة هي بمثابة الأذرع المسلحة في خدمة مصالح الشركات العابرة فوق القوميّات والطبقات الاجتماعيّة التي تتحكم فيها.

لم تخترع الليبراليّة الجديدة هذه الممارسات التي تعبئ كافة أشكال العنف والرشوة والتخريب أو الحرب، لكنّها عزّزتها. كما يقع استعمال كافة أشكال السلفيّات والتعصّب التي تستفزّها العولمة الليبراليّة الجديدة، كمبرّر لمزيد دعم وتعزيز السياسات الأمنيّة في البلدان الغنيّة. هكذا تنتج الليبراليّة الجديدة المخاطر التي تزعم في ذات الوقت أنها تسعى إلى التصدّي إليها بواسطة العسكريّة.

قولبة العُقول : الأفكار أيضا تحكم العالم. هذه الحقيقة لم تخف على الليبرالييّن الجدد الذين بادروا، منذ بداية الخمسينات، بتجديد إيديولوجيتهم التي أصبحت، خلال الثمانينات، مهيمنة تماما. وتقع التغذية المستمرّة لهذه الإيديولوجية بواسطة الدّعاية، التي تهدف إلى غرس الفكرة التّالية على نطاق واسع وبشكل دائم، وهي أنّ العولمة ليست فقط قضاء مُبرما، وإنّما هي كذلك أمر مرغوب فيه، وبالتّالي علينا التأقلم معها في انتظار أن تنشر، في يوم من الأيّام، فوائدها على الكوكب. وإن تأخّرت هذه الفوائد في الظهور فذلك يعود لكون العولمة لم تنتشر جغرافيّا، ولم تضرب بجذورها في أعماق المجتمعات، بما فيه الكفاية.

تروّج هذا الخطاب كل من وسائل الإعلام الكبرى، والنّخب السّياسيّة والاقتصاديّة، وحتّى بعض النّخب النقابيّة. وهو يستمدّ أسسه "العلميّة" من مؤلفات أغلبيّة الاقتصاديّين. في المُقابل تصطدم الدّعاية الليبراليّة الجديدة باستمرار بالواقع المُعاش للأغلبيّة السّاحقة من البشر، حيث أنّ كلّ من التنوّع اللغوي والثقافي، وحتى المعتقدات الدّينيّة والسّياسيّة والإيديولوجيّة تمثل كلها عوامل تمنع تشكل سوق كونيّة، كما يحلم بها الليبراليّون الجدد : مُوحّدة ومسطحة وخالية من العراقيل، تتنقل عبرها البضائع والخدمات بيُسر تامّ. أنّ المثل الأعلى لليبراليّين الجدد هو بالتأكيد مُستهلك يترعرع في حديقة ديزناي لاند بحجم الكوكب.

هذه الرغبة في قولبة العقول هي التي تفسّر دعم وتطوير الولايات المتحدة الأمريكيّة لصناعات الصّورة والترفيه لديها لكي تتمكن، بالإضافة إلى مليارات الدّولارات التي تدرّها هكذا صادرات، من ترويج صورة مثاليّة عن "نمط الحياة الأمريكيّة" على نطاق واسع، وتهميش، بالقدر ذاته، الإبداع الثقافي لبقيّة البلدان.

تمثل اللغة الأنغلو أمريكيّة الجانب اللغويّة لتلك السّياسة، والتي يقع فرضها على الجميع باعتبارها لغة العولمة وأداة تواصلها العالميّة الوحيدة. ممّا يفسّر سعي الدّول والنخب الوطنيّة إلى اعتماد هذه اللغة، ولنا في تونس مثال لذلك حيث يتمّ منذ عدّة سنوات تعميم الانجليزيّة بخاصّة في التعليم. كما نلاحظ تتعدّد القنوات الفضائيّة العربيّة التي تبثّ بالإنجليزيّة.

فتحي الشامخي، 2007

Publié dans EMPLOI

Commenter cet article