حتى لا تنعقد الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي في ظل لا مبالاة الحركة الاجتماعية التونسية...

Publié le par FATHI CHAMKHI

تنعقد الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي من 16 إلى 19 جوان الجاري بمدينة برشلونة الإسبانية والتي ستتوج أكثر من سنتين من المخاض العسير انطلاقا من الجلسة العامّة التي انعقدت في الرباط في مستهل ماي 2003 وصولا إلى الجلسة العامّة السادسة التي التأمت بمدينة استنبول في منصف شهر أفريل المنقضي.

ويعدّ المنتدى الاجتماعي المتوسطي الأول من نوعه من بين المنتديات الاجتماعية القارية الكبرى إذ يتنزّل في مجال جغراسياسي تتلاقى حوله ثلاث قارات تتميز بحدة تباين أوضاع السكان بين الشمال والجنوب ومن قطر إلى آخر، وذلك لكونه، كان ولا يزال، مسرحا لسياسات الإمبرياليات الأكثر وحشيّة والتي تمثل العولمة الليبرالية والعسكرية أدواتها المفضلة.

وبالتالي، تشهد منطقة المتوسط، منذ عدّة سنوات، تفاقم التفاوتات الاجتماعية والإقصاءات واتساع متواصل لدائرة فعلها. كما نلمس تراجعا لا يقل خطورة للديمقراطية والحرّيات، وتدعّم الأنظمة الاستبدادية المتحكمة بكامل الشريطين الجنوبي والشرقي لحوض المتوسط فيما يتسع في أقطار الشمال تأثير التيارات السياسيّة الشعبوية والعنصرية. وتبرز حدّة هذه التوترات على وجه الخصوص في فلسطين وفي العراق حيث يسُود العدوان العسكري والاحتلال الذين حوّلا حياة الشعبين العراقي والفلسطيني إلى جحيم.

وتتسبب مجمل هذه التناقضات والتوترات التي تفرضها سياسة الرأسمال العالمي الإمبريالية، داخل منطقة حوض المتوسط، في ازدياد حدة التوترات الاجتماعية والسياسيّة، وتكدّس وسائل الدّمار الشامل، محوّلة بذلك كامل المنطقة إلى بؤرة نزاعات لا يعلو فيها سوى حقّ الأقوى.

وفي هذا الإطار يريد المنتدى الاجتماعي المتوسطي أن يكون مجالا تتمفصل فيه مختلف المقاومات للنيوليبرالية، وتتلاقى ضمنه النضالات المشتركة، مجالا لبناء بدائل للسياسات النيوليبرالية التي تسدّ أمامنا آفاق المستقبل. كما يسعى المنتدى الاجتماعي المتوسطي إلى تقليص مختلف التفاوتات وتحطيم كلّ الجدران، الحقيقية منها والرمزية، التي تجزأ المتوسط إلى مناطق أبرتايد وإقصاء. من أجل فتح آفاق أرحب للسّلام ولاحترام حقوق كافة الشعوب والأفراد. من أجل بناء منطقة تعايش وتبادل وترابط بين مجمل سكان المنطقة، منطقة لا تكون فيها الحرّية الوحيدة هي حرّية تنقل البضائع والرّساميل. من أجل جعل المتوسط بحر حقوق، فإننا نسعى من أجل إنجاح الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي.

إن مسار إعداد هذا المنتدى الذي انطلق من مدينة الرباط كان مسارا مفتوحا مثلت فيه الجلسات التحضيرية الدولية لحظات بالغة الأهمية، تهدف بالدرجة الأولى إلى خرط أكبر عدد ممكن من القوى الاجتماعية المتنوعة والنقابيّة والسّياسيّة (إن بشكل مباشر أو غير مباشر) التي تناهض الإمبرياليات والنيوليبرالية السائدة في المتوسط وتضع مقاومتها في صدارة أولوياتها النضالية. كما سعت هذه الجلسات إلى تحديد هيكلة المنتدى ومحتواه الاجتماعي والنضالي وأنماطه التنظيمية.

وللتذكير، فإن مختلف الحركات، والشبكات، والنقابات العمّالية، والمنظمات المتوسطية المناهضة للعولمة اليبرالية وللرأسمالية، وتحديدا لمسار برشلونة الاستعماري الجديد، ولاتفاقات الشراكة الجائرة التي يسلطها الاتحاد الأوروبي على شعوب الأقطار العربية المطلة على المتوسط بالإضافة إلى الأردن، قد عقدتستة جلسات تحضيرية دولية لتحضير هذه الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي :

1.       كانت الأوّلى بالرباط (3 و4 ماي 2003) والتي أجمع فيها ما يقارب الـ150 مشاركة ومشارك على راهنية المنتدى وضرورته،كما ناقشوا هيكلته ومحاوره واتفقوا على أن يسعى الجميع إلى توسيع قائمة الحركات المشاركة، قصد بلوغ تمثيلية أوسع. وقد تم الاتفاق على أن ينعقد المنتدى الاجتماعي المتوسطي الأول بمدينة برشلونة، مع أن يقع عقد الدورة الثانية للمنتدى بأحد أقطار الضفة الجنوبية.

2.       أمّا الاجتماع الثاني فقد انعقد بنابولي (4-5-6 جويلية 2003) وفيه التحقت حركات جديدة من جنوب المتوسط وشرقه كما تمّ تبنّى البيان الختامي لقمّة مرسيليا البديلة المنعقدة سنة 2000، التي كان لجمعية "رَادْ أتَاكْ تونس" شرف الدعوة إلى عقدها ثم إعدادها بمعيّة تنظيم جمعويّ فرنسي "العالم ليس سلعة" والذي حضرته وفود عن ستة أقطار عربية بالإضافة إلى تونس (فلسطين، المغرب، الجزائر، مصر، لبنان وسوريا) وثلاث أقطار أوروبية إلى جانب فرنسا البلد المستضيف للقمة (إيطاليا، إسبانيا وبلجيكا)، أرضية إضافية للمنتدى والتأكيد على ضرورة تفعيل نشاط فرق العمل كما تمت مناقشة محاور العمل التي تم الاتفاق عليها في اجتماع الرباط وإثرائها.

3.       ثم التأمت الجلسة التحضيرية الدولية الرابعة بجزيرة قبرص (24-26 مارس 2004)، ثم تلتها الجلسة الرابعة بمدينة مالقة الإسبانية من 24 إلى 26 سبتمبر 2004، ثم الجلسة الخامسة بمدينة مرسيليا الفرنسيّة (من 14 إلى 16 جانفي 2005) أربع سنوات بعد انعقاد "القمّة البديلة". أخيرا، انعقدت الجلسة التحضيرية السادسة بمدينة استنبول من 15 إلى 17 أفريل الماضي، والتي وضعت اللمسات التنظيمية والبرنامجيّة الأخيرة للدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي والتي منها      الندوات التسع الكبرى[1]     وهي :

          أ‌)          الديمقراطية، والمواطنة والحقوق الإنسانية للرجال والنساء : "في الدفاع عن الحقوق، نبني السلام". أما المسائل التي تتناولها الندوة فهي : الحقوق الإنسانية : الحقوق الجماعية والحقوق الفردية/ الحق في تقرير المصير/ الأشكال الجديدة للديمقراطية/ الإفلات من العقاب – الاختفاءات الاضطرارية

     ب‌)             النزاعات، والاحتلالات العسكرية، العسكرية والسلام : "جدار الأبرتايد في فلسطين"

     ت‌)             الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية وأنماط التنمية. العمل والنزاعات : "مناهضة تسليع المرفق العام من أجل ضمان الحقوق الأساسية الكونية"

     ث‌)             الهجرات : "مقاييس من أجل بناء مجال عبر حدودي وعبر ثقافي للظواهر الهجرية في المتوسط"

       ج‌)             تنوع الثقافي أم حوار عبر ثقافي ؟

       ح‌)             أنماط التنمية والاستدامة البيئية : "المـاء"

       خ‌)             النساء والمتوسط : "تجارب المقاومة النسوية في المتوسط"

         د‌)             فضاء التبادل الحر : "التبادل الحر كنمط تنمية في المتوسط : النتائج والبدائل"

         ذ‌)             السيادة الغذائية : "أي استراتيجيات من أجل تحقيق السيادة الغذائية في المتوسط"

لقد استمر الإعداد للدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي ما لا يقل عن السنتين ممّا يعكس صعوبة المشروع ويوحي بتنوع العقبات التي تخللت هذا المسار. ويبدو من الواضح الآن أن عددا محدودا من الأطراف هو الذي حمل هذا المشروع وثابر من أجل دفعه حتى انعقاد الدورة الأولى. وتنتمي هذه الأطراف إلى ثلاث أقطار من الشمال وهي بالخصوص المكونات الإسبانية (وتحديدا من كاتالونيا) والفرنسية والإيطالية. أما من الجنوب فإن الحركة الاجتماعية المغربية هي الوحيدة التي ساهمت بجد وثبات في تقدم مسار البناء. بينما ظلت مساهمة بقية الأطراف الوطنية، بما فيها الطرف التونسي، تراوح بين المساهمة الرمزية حينا والغياب شبه التام أحيانا.

كما سبق وذكرنا كانت جمعية "رَادْ أتَاكْ تونس" برغم العراقيل العديدة التي رافقت نشأتها وبرغم قلّة إمكانياتها هي التي بادرت بفتح ملفّ الشراكة الأورومتوسطية عموما واتفاق الشراكة التونسية الأوروبية على وجه الخصوص وشرعت تناضل ضدّه لا فقط بالنظر إلى ينطوي عليه من مخاطر اجتماعية واقتصادية جسيمة بالنسبة للشعب التونسي ولمستقبل الأجيال الصاعدة وإنما أيضا باعتباره أداة إعادة بسط الهيمنة الاستعمارية الأوروبية (الفرنسية على وجه التحديد) الجديدة على تونس.

ولقد كان من الطبيعي أن يتفطن مناهضو العولمة الليبرالية في تونس إلى مخاطر هكذا مشروع، حيث أن بلادنا قد تجمعت بها "الشروط الملائمة"، خلال النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، لكي تلعب دور المختبر والمعبر في آن، لصياغة المشروع الاستعماري الجديد للشروع في تطبيقه. وكُلنا يعلم أن السّلطة التونسية قد وقعت على أول اتفاق شراكة (جويلية 1995) قبل انعقاد قمة برشلونة (نوفمبر 1995) التي أعطت ضربة الانطلاق للمسار الجديد.

لكن رحى المشروع الاستعماري الجديد الذي كان يسحق على حد سواء، القوة العاملة التونسية وكافة القوى المنتجة الوطنية من جهة، ويُخضع كافة تعبيراتها النضالية، أو حتى الاحتجاجية، من جهة أخرى، إلى بطش وتعسّف نظام سياسي مستبدّ، جعلنا نفشل إلى حدّ كبير في تعبئة القوى الاجتماعية الكامنة، وفي مدّ الجسور بين جيوب المقاومة الاجتماعية والديمقراطية للمشروع الاستعماري الجديد، المنتشرة هنا وهناك في كافة الربوع التونسية، ولحمها في حركة اجتماعية وديمقراطية لإعادة تملّك المصير المشترك.

ومن الغباوة بمكان أن نتصوّر لحظة أن القوى الاستعمارية لا تراهن إلا على الحلّ الأمني لمنع تشكل وتنامي الاحتجاجات والمقاومات الاجتماعية والديمقراطية لمشاريعها بالمنطقة، فهي إلى جانب تعويلها على أجهزة الحكم الدكتاتورية، تسعى إلى استمالة و"أسْر" المثقفين والنشيطين والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين المستقلين عن السلطات القائمة، قصد تحييدهم اجتماعيّا، عبر "منعهم" من التبنّي العملي والجدّي لهموم الناس ولمشاغلهم، خاصّة عبر تأطيرهم ضمن أطر فضفاضة وتشريفاتية معدّة  للغرض. وعملا بقاعدة "فرّق تسد" فإن قوى الاستعمار تقف كذلك بالمرصاد في وجه كل المحاولات الرّامية إلى تنظيم صفوف المقاومة الاجتماعية والديمقراطية عبر أرجاء المتوسط ضدّ سياسات الرأسمال ومشاريعه الاستعمارية.

لقد ظلت "القمة البديلة" يتيمة، قبل أن ينفض مسار المنتدى الاجتماعي المتوسطي الغبار عن أهدافها الاجتماعية والديمقراطية والبيئية التقدميّة ويشحذ العزائم الصادقة ويُحي حلم مُتوسط الشعوب المتآخية والمتضامنة من جديد. ولكن كما مرّت الأولى وسط لا مبالاة تامّة في صفوف أغلب المناضلات والمناضلين الاجتماعيين والديمقراطيين المستقلين في تونس فإن مسار الثانية يمرّ هو الآخر في نفس الظروف تقريبا.

فهل سنتوصل، خلال الأيام القليلة القادمة، التي باتت تفصلنا عن انعقاد الدورة الأولي للمنتدى الاجتماعي المتوسطي، إلى الارتقاء بمشاركتنا التونسية إلى مستوى أفضل، وبالتالي أن ننخرط بصفة فاعلة... في ديناميكية إعداد الدورة الثانية للمنتدى، التي تقرر أن تعقد في بلد ما من الضفة الجنوبية للمتوسط ؟ ولا جدال في كون هذه الديناميكية الاجتماعية المتوسطية بإمكانها أن تكون بمثابة الرّافعة الإضافية لنضالنا المحلي من أجل بناء المنتدى الاجتماعي التونسي الذي نريده سدّا إضافيا تتحطم عليه أمواج الليبرالية الرأسمالية المتوحشة من أجل تونس اجتماعية وديمقراطية... هذا ما نرجوه في جمعية "رَادْ أتَاكْ تونس" بكل صدق ونسعى إلى تحقيقه !

تونس، في 5 جوان 2005.

فتحي الشامخي



[1]    للإطلاع على مزيد من التفاصيل حول هذه الجلسات يمكن الحصول على التقارير في العنوان التالي www.fsmed.info

Publié dans ALTERMONDIALISME

Commenter cet article