متوسط آخر ممكن... ديمقراطي واجتماعي ومتضامن ومراع للبيئة

Publié le par FATHI CHAMKHI

انعقدت بمدينة برشلونة الإسبانية، من 15 إلى 19 جوان الجاري، الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي. ولقد شارك في أشغال المنتدى ما يقارب 1500 شخصا قدموا من مختلف أقطار المحيط المتوسطي وكذلك من أقطار عديدة أخرى. وكان من بين هؤلاء حوالي 30 تونسية وتونسي منهم على وجه الخصوص عضوان من المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل وعضو من الاتحاد الجهوي للشغل وقياديات بالجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وأعضاء من جمعية "رَادْ أتَاكْ تونس" وممثلة عن الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين ونشطاء من الهجرة عن الجمعية التونسية لمواطني الضفتين وجمعية التونسيين بفرنسا...

كان الشعور السائد لدى أغلب المشاركين، يراوح ما بين الارتياح لانعقاد المنتدى الذي تعثر مساره في عدة مناسبات وطال انتظاره أكثر من سنتين، وما بين الشعور بشيء من خيبة الأمل أمام عدد المشاركين المحدود نسيّا، والذي لا يتناسب مع ما تزخر به المنطقة من طاقات وتقاليد نضالية، وهو أيضا دون مستوى التعبئة التي تتطلبه مقاومة السياسات الرأسمالية المتوحشة والتهديدات الخطيرة التي تسلطها على المصالح الحيوية لكافة شعوب المنطقة.

يشق المجال المتوسطي، في اتجاه العرض، أعظم كسر اجتماعي في العالم على الإطلاق. فمن ناحية الشمال توجد إحدى أبرز الأقطاب الإمبريالية العالمية، فيما تمتد على الطرف الجنوبي المنطقة العربية التي صارت تصنف ضمن الأقاليم العالمية الأكثر تخلفا وخضوعا للاستعمار الجديد. كما للمجال المتوسطي قيمة جيوستراتيجية عالية مما جعله محلّ تنافس ونزاع ما بين الإمبرياليتين الأمريكية والأوروبية. فبينما شرعت الأولى بشكل خاص، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، في إعادة هيكلة انتشارها في المنطقة، خاصة عبر الآلة العسكرية، تمضي الثانية، منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، في تطبيق استراتيجيتها الاستعمارية الجديدة تحت راية "الشراكة الأورومتوسطية" المزعومة.

إنّ هذه الشراكة هي قبل كل شيء جزء لا يتجزأ من العولمة الرأسمالية، ومن الحرب التي يشنها الرأسمال العالمي بكل الوسائل، بما في ذلك القوة العسكرية، ضد حقوق المواطنين والشعوب. وهي تتعارض مع طموحاتهم وإرادتهم. فبينما جاء إعلان برشلونة سنة 1995، زاخرا بالنوايا الحسنة ومشاعر حب الغير، لم يخلف الحلّ السحري المقترح على بلدان الجنوب لتحقيق الازدهار، والمتمثل في "التبادل الحرّ"ّ, سوى مزيدا من فقدان الأمان، والفقر والاستبداد السياسي.

لم تعن الشراكة الأورومتوسطية بشكل جدّي بالقضايا المركزية التي تقوض استقرار وأمن المنطقة المتوسطية والتي هي السلام، والديمقراطية، والفقر. وليس ارتفاع عدد الأموات غرقا من شباب الجنوب سواء في مضيق جبل طارق أو على مستوى مضيق صقلية إلا برهانا من ضمن عديد البراهين التي تفند مزاعم إعلان برشلونة.

إن منطق اتفاقات الشراكة الذي يقوم على إعادة الهيكلة الليبرالية لبلدان الجنوب، بما تعنيه من زيادة التقشف, وانخفاض الأجور، وارتفاع الضغط الضريبي على الأجراء, وتزايد البطالة وأشكال العمل الهشة، لا يمثل حافزا على تحقيق تنمية مستقلة ومستديمة ومراعية للبيئة وللسكان بل يعمق الكسر الاجتماعي ما بين الشمال والجنوب. كما يتردد الحديث حول جعل المجال الأورومتوسطي فضاء لاحترام حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات... ولكن، وبعد مرور عشر سنوات على إعلان برشلونة، نلاحظ أن العكس تماما هو الذي يحدث، حيث يتدعم استبداد الأنظمة القائمة في الجنوب بمباركة ودعم الدول الأوروبية.

إنّ الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي التي تنخرط في صيرورة بورتو أليغري والحركة العالمية المناهضة للعولمة الرأسمالية، هي بمثابة اللبنة الأولى في مسار توحيد الجهود على مستوى المتوسط من أجل تفعيل المقاومات الاجتماعية للسياسات الليبرالية والاستعمارية الجديدة. كما تكمن أصالة هذا المنتدى في كونه مجال تتلاقي فيه ديناميكيات نضالية متعددة خاصة منها النضالات الاجتماعية والديمقراطية في عموم المنطقة العربية.

لكن أكيد ولا جدال، يحتاج المتوسط اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى شراكة حقيقية تضع على رأس أهدافها الاستجابة الفعلية لحاجيات الشعوب الضخمة والعاجلة، وخاصة شعوب الجنوب منها. فبناء تعاون حقيقي يهدف إلى تحقيق التنمية الاجتماعية أضحى أمرا عاجلا في البحر الأبيض المتوسط. ذلك تحديدا ما يسعى إلى تحقيقه المنتدى الاجتماعي المتوسطي.

جوان 2005

فتحي الشامخي

ناطق باسم "رَادْ أتَاكْ تونس"

Publié dans ALTERMONDIALISME

Commenter cet article