من يفك حصار مدينة برج السدرية سلتان* ؟

Publié le par FATHI CHAMKHI

تؤدي نشأة مدينة "برج السدرية- سلتان"، على الضفاف الجنوبية لخليج تونس، إلى تغيّر ملحوظ للمشهد الحضري على أطراف العاصمة. لكن هذه المدينة الجديدة تشقّ طريقها إلى الوجود بعناء كبير خاصّة بسبب تأخر بناء أغلب التجهيزات وغياب المرافق والخدمات الاجتماعية الضرورية، وهو ما يعتبره البعض أمرا عاديّا مسجّلا في طبيعة الأشياء السائدة. وبالتالي فإن الحكمة الشعبية تنصحنا، نحن سكان المدينة، بالتسلح بصبر أيّوب وبعدم مسائلة "المسؤولين"، حتى وإن كنّا متيقنين من أنهم أصل كل بلاء، والسّعي إلى كسب ودّهم عساهم يصغون إلينا ويشرعون في إنجاز ما تعهّدوا به من تجهيزات دفعنا ثمنها مسبقا. لكن حتى هذه الطريق لم تجد نفعا...

برزت المساكن الأولى خلال صيف 1999، ليمتد النسيج الحضري فيما بعد على مساحة تناهز 150 هك، بنسبة استغلال تقارب 70%[1]، وبالتالي يمكن تقدير العدد الحالي لسكان المدينة في حدود 13 ألف ساكنا[2]، بالإضافة إلى عدّة آلاف من عملة البناء المقيمين على عين المكان. علما بأنه من المتوقع أن يصل عدد سكان المدينة، خلال السنوات القليلة القادمة، إلى حدود 100 ألف ساكن على مساحة جملية تفوق 440 هك.

إن أول ما يلفت انتباه الزائر للمدينة هو صعوبة الوصول إليها، فعلاوة على انحصار موضعها ما بين البحر وغابة السدرية (شمالا)، والسكة الحديدية (من الغرب والجنوب) وواد سلتان (شرقا)، يتمثل المدخلان الرئيسيان للمدينة في ممرّين ضيقين يمران فوق السكة الحديدية ويتقاطعان مع الطريقين الرئيسيين رقم 1 والفرعية رقم 26 ذات كثافة عالية لحركة المرور. بعد اختراق أحد المضيقين، يجد الزائر نفسه وسط حقل ألغام تترصده في كل مكان على طول ما يسمى شبكة الطرقات... هكذا "مِالمَرْسَى نَبْداوْ نَمَقذفُوا" !

عندما نتصفح مخطط التهيئة نجد أن "المسؤولين" قد برمجوا بناء محول ليكون مدخلا رئيسيا للمدينة بالنسبة للسيارات. لكن متى ستنطلق الأشغال ؟ لا أحد يعلم، لقد مرّت خمس سنوات ونحن على هذا الحال ولا من مجيب. علما بأننا قد دفعنا ما يفوق ثمن هذا المحول[3]منذ سنة 1996 حيث لم تمهلنا الوكالة العقارية للسكنى[4]سوى 30 يوما لدفع الثمن الإجمالي للمقسم. أليس من المشروع أن نطالب بأن تستعمل أموالنا في الأغراض التي دفعناها من أجلها ؟ أم علينا أن نقبل في صمت بأن تدمّر أعصابنا وتتلف ممتلكاتنا قبل أن يمنّ علينا هؤلاء بما هو حقّ لنا ؟

ثم إن ما يزيد حالة الحصار هذه تعقيدا هو انعدام ربط المدينة بوسائل النقل العمومي بجميع أنواعها. فبالنسبة للقطار، طلب السّكان من الشركة الوطنية للسكك الحديدية إضافة محطة على الأقل، ما بين برج السدرية (حيث ينتهي خط الضاحية الجنوبية) ومستودع الشركة بواد سلتان، للاستجابة للطلب المتزايد، وتقريبا للخدمة من المواطن. ورغم توفر البنية الأساسية لإنجاز هذه المحطة، ورغم الوعود المتكررة "للمسؤولين"، فإننا لا نزال ننتظر ساعة الخلاص... بينما تواصل القطارات غدوّها ورواحها، ليلا نهارا، بين برج السدرية والمستودع، مخترقة المدينة دون توقف... "هكّة الشّمَاتة وإلا بَلاشْ"

نفس الشيء بالنسبة للحافلة، فإدارة الشركة الجهوية للنقل بنابل تواصل تجاهل الواقع الجديد رغم مطلب السكان بإحداث محطة على مستوى مدخل المدينة على الطريق الفرعية رقم 26 (سليمان تونس)، وهو أمر، إن تحقق، سيستفيد منه سكان المدينة وكذلك شركة النقل. أما أصحاب سيارات التاكسي والأجرة فإنهم لا يرون فائدة في المغامرة داخل طرقات المدينة المُحَفرَة. أخيرا تعدّ الشركة الوطنية للنقل الطرف الوحيد الذي بادر بتخصيص حافلة تربط الجزء الشمالي للمدينة بمدن الضاحية الجنوبية وإذ نحن نشكر إدارة هذه الشركة على هذه المبادرة فإننا نطلب منها إضافة خط جديد والزيادة في عدد الحافلات استجابة لتزايد الطلب ولاتساع رقعة المدينة.

كما يعمّق حالة الحصار غياب المرافق والتجهيزات الضرورية بجميع أنواعها : التعليمية والصحية والثقافية والرياضية والاقتصادية... مثلا من بين الستة مدارس الابتدائية المبرمجة لم يقع إلى حد الآن بناء سوى ثلاثة أقسام يتيمة. حيث يبدو أن وزارة التربية والتكوين تعمل حسب قاعدة "التلاميذ ينتظرون المدرسة". كما أن مفهوم المدرسة لدى الوزارة يبدو أنه "قسيّم مع قسيّم يُوَليوْ مدرسة" في حين أن الجميع يعلم بأن المدرسة، وخاصة "مدرسة الغد" الموعودة، هي مركب متكامل يتضمن قاعات الدراسة والورشات والمكتبة والساحة والحديقة وقاعة المعلمين ومكتب المدير... من ناحية أخرى، تترك رياض الأطفال للمبادرة الخاصة في حين لا يزال المكانين المخصصين لبناء المعهدين الثانويين مرعى لقطعان الأغنام الكثيرة.

كما لا توجد بالمدينة مرافق صحّة أساسية... ثم إن الخدمات على تنوعها مفقودة تماما بالمدينة، فلا يوجد هاتف قارّ إلا في جزء محدود من المدينة، وليس لنا بريد مثل بقية النّاس، ولا نتلقى سوى فاتورتي الماء والكهرباء. كما لا توجد مغازات وأسواق عدى المتاجر الصغيرة التي يبادر بفتحها بها بعض المواطنين. كما لا يوجد بالمدينة مركز شرطة مما ساهم في جعلنا عرضة للنهب والسّرقة بصفة مستمرة، فمن منّا لم يسرق منزله على الأقل مرّة واحدة، خاصة خلال الأربعة سنوات التي عشناها من دون تنوير عمومي ؟ أما عن التجهيزات الرياضية والثقافية والترفيهيّة فحدث ولا حرج، وحتى الشواطئ القليلة، التي نجت من سطوة النزل، قد أخضعتها بلدية سليمان لنظام الدفع المسبق قبل الاستحمام !ٍ

أخيرا، وحتى لا نشغل بالنا بالتفكير في سبل ووسائل فك الحصار الذي نعيش فيه، فإننا نتعرض باستمرار إلى اعتداءات مستمرة من مصادر تلوث عديدة. تتكون على اثر نزول الأمطار، داخل مئات المقاسم البيضاء، برك  ترعرعت بها جحافل من الضفادع تطلق عقيرتها بالغناء ما إن يجنّ الليل. لكن لو اقتصر الأمر على الضفادع لهان الأمر، إذ تتحوّل البرك إلى مستنقعات تُفرّخ فيها أعداد ليس لها حصر ولا عد من أنواع الناموس والحشرات التي تطارد السكان ليلا نهارا لتفتك منهم قطرات الدمّ الثمينة. ولقد بلغت هذه الكارثة حدا لا يطاق دفع السكان، أمام استنكاف الدوائر المعنية عن عمل أي شيء، إلى حالة استنفار قصوى كان من مظاهرها، مبادرة السكّان إلى إضرام النار في مئات من أكوام القش وكل جسم قابل للاحتراق، لإبعاد جيوش الناموس المعادية. ولم تشملنا رحمة "المسؤولين" إلا بعد أن طال أذى الناموس نزلاء المنطقة السياحية غير البعيدة.

إلى جانب الناموس والضفادع، هناك كائنات عديدة أخرى تتوخى تكتيكات مغايرة مثل الأفاعي والفئران ولكنها لا تقل عنها إزعاجا. كما تزخر المدينة بعشرات الأسراب من الكلاب السائبة التي تتمركز في بعض الأماكن الاستراتيجية لتنطلق منها، ما إن يجن الليل، لكي تبسط نفوذها شبه المطلق على المدينة.

أما مسك الختام فهو مسك من نوع خاص، مصدره الدّخان المسمُوم المنبعث من ضيعات تربية الدواجن المتمركزة قبالة المدينة، وتحديدا من الخنادق التي تحرق بها، في الهواء الطلق، مئات أو حتى آلاف جيف الدواجن التي يقتلها اشتداد الحرّ. فتدفع الرياح "القبلي" (الشهيلي) بالدخان المثقل بالسموم والروائح الكريهة، التي تحدث دوارا بالرأس وانقباضا بالأمعاء وتشنجا للأعصاب، نحو المدينة لتقطع أنفاسنا وتنغص علينا ليلنا.

لكن ولمّا أصبح المزيد من الانتظار والصّمت مُشاركة مَوصوفة في دوام الحال وتشجيعا لكلّ المُخلين بمسؤولياتهم، تجاه مدينتنا، على الاستمرار في التسويف والمماطلة التي تدمّر أعصابنا وتُنهك جيوبنا، لم يعد هناك من بدّ سوى أننا نأخذ مصيرنا بأيدينا ونسعى سويّا من أجل تحسين أوضاع مدينتنا لما فيه خير لنا جميعا.

تونس، 15 جويلة 2004

فتحي الشامخي

* النص الكامل للمقال الذي نشرته جريدة الموقف في عددها 274 بتاريخ 23 جويلة 2004



[1]    أي باعتبار المقاسم التي لم يُشرع في بناءها إلى حد اليوم

[2]    باعتبار معدل 30 مسكنا في الهكتار وأربعة أفراد بحساب الأسرة

[3]    قدر مكتب الدراسات ثمن التهيئة الجملية للمدينة وبناء التجهيزات الأساسية بما فيها المحول بحوالي 22 مليون دينار فيما تجاوز، في تقديرنا، السعر الإجمالي للمقاسم 92 مليون دينار.

[4] التي أسندت لها الحكومة (مجلس الوزراء بتاريخ 15 جوان 1989) مسؤولية تهيئة الفضاء المبرمج لاحتواء المدينة

Publié dans DIVERS

Commenter cet article