الشعب اليوناني تحت سلطة دكتاتورية المديونية

Publié le par FATHI CHAMKHI

تكونت في اليونان في الأيام الأخيرة حكومة وحدة وطنية برئاسة لوكاس باباديموس مساعد رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق. وتتمثل أولوية هذه الحكومة الجديدة في الدفاع عن "خطة الإنقاذ" الأروربية التي تمت صياغتها يوم 27 أكتوبر في بروكسيل. وتترجم هذه الخطة عن خضوع اليونان السافر للدائنين وهو ما يتعارض مع حقوق الشعب اليوناني الذي يواصل تجنده منذ عدة أشهر ضد مخططات التقشف المتتالية. كما تهدد هذا المخطط بإدخال اليونان في مسار انتحار جماعي.

في المقابل، لا يمثل الاتفاق المبرم يوم 27 أكتوبر حلا لأزمة المديونية، كما تؤكد على ذلك اللجنة المواطنية اليونانية لفحص الدين العمومي، بل العكس هو الصحيح تماما حيث من المتوقع أن يولد أعباء جديدة على كاهل شعب اليونان. حيث سوف تؤدي إعادة هيكلة الديون المبرمجة في المخطط المذكور إلى إجراءات إجتماعي معادية إضافية منها بالخصوص التخفيض في جرايات التقاعد وفي المنح الاجتماعية والأجور هذا بالإضافة إلى موجات جديدة من الطرد الجماعي للعمال في القطاع العمومي مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفقير الشعب اليوناني.

إن الهدف الرئيس المعلن للمخطط الأوروبي هو التخفيض في حجم الدين العمومي إلى مستوى 120٪ من الناتج الداخلي الخام في أفق سنة 2020، وحتى في صورة تحقيق هذا الهدف فإن مستوى المديونية سوف يبقى غير قابل للإحتمال. وهو ما يدل عليه وضع إيطاليا التي تكابد نفس المستوى من التداين والتي تخضع في ذات الوقت إلى ضغوطات قوية من قبل الترويكا (البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي) حتى تعتمد مخطط لتخفيض مستوى مديونيتها.

وتؤكد اللجنة المواطنية اليونانية لفحص الدين العمومي أنه لا خير يرجى من قبل الدائنين. إن التعليق من طرف واحد لتسديد خدمة الدين العمومي وفحص الديون هو ضرورة ملحة. حيث أن هذا التدقيق في الديون العمومية الذي يجب أن يكون ديمقراطيا تحت رقابة السكان سوف يلقي الضوء حول الجزء غير القانوني وغير الشرعي والمتعارض مع الدستور اليوناني. وفي هذا الصدد من المفيد التذكير بأن كافة الديون التي تم التعاقد حولها مع الترويكا منذ سنة 2010 هي ديون نابعة من اتفاقيات لا شرعية في تناقض صارخ مع الدستور من ذلك مثلا أنها اشترطت إلغاء نظام الأجر الأدنى المضمون.

يعيض الشعب اليوناني اليوم وضعا مأساويا حقيقيا حيث بلغت في شهر أكتوبر 2011 نسبة طالبي الشغل 22٪، أما في صفوف الشباب فإنها بلغت مستوى 40٪. كما أن عقود العمل غير محددي المدة قد تم تحويلها إلى عقود عمل مؤقتة فيما تم إحالة البعض على البطالة الجزئية، مع تخفيضات هامة في الأجر. في الأثناء، لم يحصل ثلث العاملين في القطاع الخاص على أجورهم  لفترة تمتد ما بين شهر إلى 4 أشهر. ثم إن عشرات الآلاف من الشركات قد أغلقت أبوابها (14 ألف فقط خلال الثلاثية الأولي لسنة 2011) فيما تخضع العديد من الشركات إلى إجراءات تصفية عدلية.

كما يضاف إلى هذه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية أزمة صحية. حيث أفادت منظمة أطباء بلا حدود أن 30٪ من اليونانيين يتوجهون اليوم إلى المعالجة في مصحات موجودة على "قارعة الطريق" مقابل 5٪ فقط من قبل. في الأثناء ترفض العديد من شركات الأدوية تزويد بعض المستشفيات بالأدوية خوفا من عدم الخلاص. إن المتقاعدين والمعطلين عن العمل ومن ليس لهم مسكن والسكان المصابين بمرض فقدان المناعة هم محرومون اليوم من أية تغطية إجتماعية. ويضاف إلى هؤلاء 22٪ من السكان الناشطين غير المصرح بهم والذين ليس لهم بدورهم أية تغطية إجتماعية. أخيرا بلغت الاقتطاعات في عديد الموازنات المرتبطة بالرعاية الاجتماعية ومعالجة بعض الأمراض إلى مستوى 80٪.

في هكذا ظروف لم يعد رفض تسديد خدمة الدين العمومي الخارجي لإعطاء الأولوية لتلبية حقوق الشعب اليوناني إختيارا بل أنه أصبح ضرورة قصوى لا مناص منها. وهو ما عبرت عنه بكامل الوضوح النائبة البرلمانية صوفيا ساكورافا يوم 3 نوفمبر من داخل البرلمان اليوناني بقولها :"لقد من الضروري، أكثر من أي وقت مضى، بناء حركة اجتماعية يكون لها كمحور أساسي السلامة الاقتصادية والاجتماعية للشعب وكأداة التوقف عن تسديد الديون غير الشرعية التي تمثل الجزء الأكبر من الدين العمومي الخارجي".

لكن هل من الممكن قانونيا أن تقرر حكومة عدم تسديد دينها بحجة أن السكان في خطر ؟ نعم، هذا ممكنا تماما، لأن الحجة القانونية لما يسمى "حالة الضرورة" تخول ذلك تماما. إن حالة الضرورة تتمثل في الوضع الخطير الذي يهدد وجود الدولة، سواء في ما يتعلق ببقاءها السياسي أو بقاءها الاقتصادي الذي يحيل مباشرة على مسألة الموارد التي في حوزة الدولة والتي من شأنها أن تمكنها من تلبية اجتياجات السكان سواء تعلق الأمر بالصحة أو بالتعليم إلخ… ذلك أن تسديد الدين وتطبيق إجراءات التقشف وفقدان السيادة المترتبة عن الاتفاق المبرم مع الترويكا تضع كلها اليونان في خطر حقيقي. إن من أوكد واجبات الدولة هو احترام الحقوق الإنسانية للسكان والسهر على كفالتها.

في القانون الدولي، السكان هم أحد مقومات الدول الأساسية. فالدولة لها واجبات والتزامات تجاه السكان المحليين وكذلك الأجانب الذين يعيشون في دائرة سيادتها. هذا الواجب يفوق كافة الالتزامات الأخرى التي تتعاقد حولها الدولة على غرار عقود الديون مثلا. وهو ما تؤكده لجنة الحقوق الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في ما يتعلق بحالة الضرورة : " لا يمكن أن نطالب من دولة أن تغلق أبواب المدارس والجامعات والمحاكم، وأن تتخلى عن الخدمات الاجتماعية بما يعني التخلي عن السكان وتركهم في حالة من الفوضى بدعوى توفير المال الكافي لتسديد ديونها حيال الدائنين الأجانب أو المحليين. حيث توجد حدود في ما يمكن أن نطلبه من دولة كما هو الشأن بالنسبة للأشخاص."

وبالتالي فإنه من مصلحة اليونان القصوى أن تستعمل حجة حالة الضرورة لكي تتخلص م دكتاتورية الدائنين. إن لليونان الإمكانيات الضرورية لكي يتخلى عن الإعانة المزعومة التي يقدمها الدائنون مقابل خضوعها لدكتاتهم. فمن ناحية لن يبق 8 مليار أورو المتوقعة بعنوان القسط السادس من قرض 2010 في اليونان، بل سيقع استعمالهم بصفة مباشرة لتسديد الديون الخارجية، ثم ومن ناحية ثانية يعد هذا المبلغ قيمة زهيدة مقارنة بالأموال اليونانية الطائلة المودعة في البنوك الأجنبية والتي تبلغ مئات المليارات من الأورو. وبالتالي وبالإظافة إلى إستعادة هذه الأموال المرحلة توجد العديد من الإجراءات الأخرى على غرار تأميم، تحت رقابة عمالية، قطاعات استراتيجية من الاقتصاد اليوناني هي الآن في يد الشركات العابرة فوق القوميات.

ختاما يبرز المثل اليوناني دور المديونية المدمر لحياة الشعوب، بما فيها تلك التي تنتمي إلى ما يسمى بالشمال المتقدم. فبالإضافة إلى كون الشعب اليوناني لم تستفد من الديون الطائلة فهو وحده الذي يتحمل أعباء سدادها.

Publié dans DETTE

Commenter cet article