دفاعا عن وطنية البنك المركزي

Publié le par FATHI CHAMKHI

 

 

BCT 20 MARS 11-copie-1

أنشأت الحكومة التونسيّة سنة 1958 مؤسّسة البنك المركزي التونسي وأقرّت الدّينار كعملة وطنيّة وكرمز للسّيادة الاقتصاديّة الوطنيّة. فتملكت بذلك أداة السّياسة الماليّة ضدّ سلطات الاستعمار الفرنسي وأنهت العمل بالفرنك. ومنذ ذلك التاريخ مثل البنك المركزي أحد أبرز مقوّمات السّيادة الماليّة للدّولة التونسية .

ويُعدّ البنك المركزي التونسي مُؤسّسة عُمومية يُشرف عليها مُحافظ يُعيّن بأمر ونائب له ومجلس إدارة. وهو المؤسسة الماليّة المركزيّة التي تتمثل مُهمتها العامّة، كما ورد في القانون عدد 26 لسنة 2006 والمتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 90 لسنة 1958 المتعلق بإنشاء وتنظيم البنك المركزي التونسي، في الحفاظ على استقرار الأسعار، ويتولى البنك للغرض خاصّة : السّهر على السّياسة النقديّة، ومُراقبة التداول النقدي والسّهر على حُسن سير أنظمة الدّفع، والحفاظ على استقرار الجهاز المالي وسلامته،

كما أن عمليات البنك المركزي التي يتولد عنها إصدار نقدي هي العمليّات المُتعلقة بالذّهب والعُملات الأجنبية، وعَمليات القرض، وشراء وبيع الدّيون بالسّوق النقديّة.

وبالتالي، وبالإضافة إلى إدارة السّياسة النقديّة فإنّ البنك يُدير احتياطيات الدّولة من النقد الأجنبي ويُصدِر تقارير يقيّم فيها الوضع الاقتصادي العامّ ويقوم باقتراح الإجراءات المُمكن اتخاذها لتحسينه.

شرعت الدّوائر الماليّة الإمبرياليّة، في نهاية ثمانينات القرن الماضي، بتواطئ مع سُلطة بن علي وتحت مظلة دكتاتوريّته، وبعد فشل النظام البورقيبي في تحقيق الرقيّ الاجتماعي والتقدّم الاقتصادي وضمان الحريّات وتدعيم السّيادة الوطنيّة، في مُراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي لمُراجعة مهامّه بما يتماشى ومُتطلبات السّياسة الرّأسماليّة الليبراليّة الجديدة، ولتغيير طبيعته الوطنيّة لكي يُصبح وَسيلة التدخّل المالي الإمبريالي وأداة المُراقبة المُباشرة للسّياسة الاقتصاديّة العامّة للبلاد. وهو ما يُفسّر تعدّد مُراجعات القانون الأساسي للبنك خلال فترة حكم بن علي. علما بأنّ هاته المُؤسسات الماليّة الدّوليّة (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) كانت عموما واثقة في خضوع سُلطة بن على التامّ لإملاءاتها، وبالتالي ظلّ البنك خاضعا لنُفوذ هذه السلطة واقتصرت التنقيحات على مهامّ البنك لجعلة حزام انتقال لسياسة العولمة الرّأسماليّة.

لكن عندما أطردت الثورة الدّكتاتور، تغيّرت المُعادلة السّياسيّة ولم يعُد بإمكان الدّوائر الامبرياليّة ضمان الطاعة التامّة من قبل الحكومة التي تُفرزها انتخابات حُرّة، أي حُكومة مدينة للشّعب بوجودها في السّلطة ويُحاسبُها على مردُودها الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا الإطار تندرج مُبادرة البنك العالمي بأمر من الإدارة الأمريكيّة بالاستيلاء، يوم 17 جانفي، على البنك المركزي التونسي وتنصيب أحد مُوظفيها الكبار على رأسه ليكون المسؤول السّياسي الحكومي الوحيد الذي بقي في منصبه مُنذ سُقوط بن علي، برغم تعاقب خَمس حُكومات على السّلطة. وبالتالي فإن البنك المركزي يحتلّ مكانة استراتيجيّة بالغة الأهميّة في مُخطط الثورة المُضادّة الرّامي إلى إجهاض الثورة الاجتماعيّة والحفاظ على النظام القائم.

استعملت قوى الثورة المُضادّة، في مرحلة أولى، آليّة المديُونيّة الخارجيّة لتطويق الثورة الاجتماعية ومنعها من تحقيق إعادة تملك أدوات السّيادة السّياسيّة والاقتصاديّة والتي في بينها أداة السّياسة الماليّة. ولقد نجحت حكومات الغنوشي-السّبسي لا فقط في فرض استمرار المديونيّة بل وأيضا في استفحالها.

أما المرحلة الثانية من المخطط الأجنبي الاستعماري، فهي التي أفصح عنها بيان مجلس إدارة البنك المركزي التونسي، الصّادر بتاريخ 1 ديسمبر 2011، على اثر اجتماعه الطارئ، حيث دعا : "إلى العمل لا فقط على المُحافظة على ما هو مَعمول به خاصّة منذ 14 جانفي من هامش هامّ لاستقلاليّة البنك المركزي بل دعم هذه الاستقلاليّة بتضمينها بالقانون المنظم للسّلطات العموميّة و كذلك في الدّستور."

وبذلك يتضح أن الهدف الآن، بعد أن نجحت قوى الثورة المُضادة في لجم جماح الثورة الاجتماعية وتعطيل مسارها، هو الاستحواذ النهائي على مُؤسسة البنك المركزي من خلال تضمين استقلاليتها المشبوهة في الدستور الجديد وبذلك يتمّ تجريد الحُكومة المنتخبة القادمة، كما الحكومات التي ستأتي من بعدها، من مقوّمات السّيادة وإخضاعها لإملاءات الرّأسمالية العالميّة.

فما معنى أن يُصبح البنك المركزي غير خاضع لسُلطة الحُكومة المُنتخبة من طرف الشعب ؟ إن المعنى السّياسي والاقتصادي لذلك هو، ممّا لا شكّ فيه، تجريد الشعب من أداة أساسية من أدوات السّيادة الوطنية. أي جعل هذه المؤسسة الماليّة، ذات الأهمية البالغة في السّياسة الاقتصادية الوطنية، مُستقلة عن حكومته. كيف يُمكن لحُكومة يَنتخبها الشعب أن تطبّق برنامجها وهي مُجرّدة من السّلطة الماليّة ؟ ستكون حكومة تصريف أعمال بأتمّ معنى الكلمة، لكن أعمال المصالح الاقتصاديّة الرّأسماليّة العالميّة وحلفائها المحليّين.

أن يصبح البنك المركزي مستقلا عن الحكومة فذلك يعني أنه سيُصبح أداة في يَد صُندوق النقد الدّولي والبنك العالمي الذي لا يشك عاقل في عداءهما المُطلق لمصالح الشعوب. وستصبح الحُكومة مُجرد أداة تنفيذ ما تمليه عليها الدّوائر الامبريالية العالميّة، وبالتالي لن يبقى للانتخابات أيّ معنى ديمقراطي. حيث لن تستطيع الحكومة مهما كانت شرعيتها أن تحيد على النهج المفرُوض على البلاد من الخارج، وقد أصبح البنك المركزي، أي أداة السياسة المالية، مستقلا عن الهيئات المنتخبة. وكما سيُسقط ادّعاء الاستقلاليّة المشبوه البنك المركزي في يد الاستعمار، سوف تُجهز قابليّة تحويل الدّينار على ما تبقى من آثار السّيادة الماليّة التي نشأت سنة 1958.

ثم ما هو المنطق الذي سيَسيرُ وفقه البنك المركزي عندما سيُصبح مُستقلا عن الحكومة المُنتخبة وبالتالي عن إرادة الشعب ورقابة ؟ وما هي الأهداف التي سيسعى لتحقيقها ؟ أليس مَنطق العولمة الرّأسماليّة السائدة ؟ ثم أليست الأهداف هي تحقيق الربحيّة القصوى للاستثمارات الرّأسمالية الأجنبية في تونس ؟ ألم نتأكد من وحشيّة هذه السياسة وقسوتها ؟ ألم تكن شروط تحقيق ربحيّة عالية، ولا تزال، التدمير المَنهجي لقوى العمل ولجم سكانها ونهب الثروات الوطنيّة وتدمير المحيط الطبيعي.

كيف يُمكن للجماهير الكادحة أن تعدّل الكفّة لصالحها وقد سحبت منها أداة السّياسة الماليّة ؟ وما معنى حقها في انتخاب مُمثليها عندما يُكون هؤلاء المُنتخبين منزُوعي السّلاح وخاضعين لإملاءات قوى السّوق المُعولمة ؟

لا يُمكن اليوم فصل قضية الثورة الاجتماعيّة وحقّ الشعب التونسي في تقرير مصيره وفي التصرّف الحرّ في نفسه وفي التوزيع العادل للثروة وفي الدّفاع عن مُقدّراته في وجه الاستغلال الرّأسمالي المتوحش وآلية المديونيّة الخارجيّة، باعتبارها أداة نهب اقتصادي وتسلط سياسي، وميزانيّة دولة تراعي مصالح الشعب، لا ميزانية تخصّص خُمس الموارد العُمومية لتسديد خدمة الدّيون.

لقد أدركت قوى الثورة المُضادة خُطورة الثورة التونسيّة الاجتماعيّة فبادرت مُنذ السّاعات الأولى لسُقوط الدّكتاتور برسم الخُطط واتخاذ المُبادرات لكي تمنعها من قلب ميزان القوى الطبقي لصالح الجماهير الكادحة وتغيير طبيعة النظام من خلال تحقيق السّيادة الشعبيّة الوطنيّة وتوجيه الاقتصاد نحو تلبية الحاجيات الأساسيّة للسكان وضمان حقوقهم، فيما لا تزال تغلب على الحركة الثورية العفوية والتشتت وغياب وضوح الرؤية وافتقاد القيادة السّياسيّة التي تنير لها السّبيل.

إن معركة البنك المركزي، كما معركة المديونية ومعركة الميزانيّة العامة للدّولة هي ممّا لا شك فيه من بين محاور النضال الثوري الرّاهنة والتي لم تعد تحتمل مزيدا من الانتظار..

 

فتحي الشامخي

تونس، 2 ديسمبر 2011

Publié dans ECONOMIE

Commenter cet article