حــــــول البرنامـج الانتقــالي الثّــــــــــوري في تــــــــونس

Publié le par FATHI CHAMKHI

 

تركّز السُّخط الشّعبي، في خِضمّ الثّورة، حتّى يوم 14 جانفي، ضدّ بن علي وليلي والطّرابلسيّة. وما إن قُضي عليهم حتّى امتدّ الغضب الثّوري ليشمل أعضاء حكومته وحزبه وجهاز قمعه ورموز نظامه. ومع حلول الرّبيع خلّصت الثّورة تونس من حزب الدّستور/التجمّع، بعد أن أطردت حكومته، وأضعفت القوّة الضّاربة القمعيّة لجهاز الدّاخليّة.

وبالتّوازي مع تقهقر جهاز السّلطة الدكتاتوريّة وآليّاتها، تفتّقت السّاحة السّياسيّة والاجتماعيّة بمئات المُبادرات، فيما امتلئ الشّارع والفضاءات المُتنوّعة، الاجتماعيّة والحقوقيّة والثقافيّة، بالفعل النّضالي. ولا يزال الزّخم الثوري متواصلا ما بين المدّ، تارة، والجزر، تارة أخري.

لكن الثّورة لم تُمكّن الطّبقات الشّعبيّة، إلى حدّ الآن، من الإطاحة بالنّظام القَائم الذّي يضرّ بمصالحها الحيويّة بشكل غير مسبوق. تلك الطبقات التّي ظلّت عاجزة على إفراز هيئة، أو هيئات، أركانها السياسيّة، باعتبارها الشّرط الذي من دونه لن تتمكّن من المسك السّلطة وتشكيل حكومتها الثوريّة والشّروع في بناء نظامها الخاصّ. تلك هي حقيقة الثوريّة التونسيّة السّياسيّة الأساسيّة، أي تخلّف التنظيم الذّاتي للجماهير الثوريّة، ممّا يترك الحقل السّياسي مفتوحا على مصراعيه لشتّى أشكال المناورات والتّحالفات لبُلوغ السّلطة للاستمرار في خدمة نفس المصالح الاقتصاديّة، ولو بأشكال وتبريرات أيديولوجيّة مختلفة، التّي ثارت ضدّها الطبقات الشعبيّة.

أمّا التشكيلات السّياسيّة السّابقة للثّورة، خاصّة منها التي كانت تقاوم النّظام الدّكتاتوري، فإنّها لم تفلح في الالتحام الفعلي بالحركة الثوريّة، أو أنّها لم ترغب في ذلك البتّة، حيث أعمتها الحُريّة المُفاجئة وغير المُتنظرة، التي أهدتها إيّاها الثورة، فتخلّت عن واجباتها النّضاليّة وعن تعهّداتها تُجاه الجماهير الشعبيّة. وليست التشكيلات السّياسيّة التي تكوّنت بعد 14 جانفي بأفضل حال، بل أنّ أغلبها سليل حزب الدّستور/التّجمع أو من بين توابعه الكثيرة.

إنّ القاسم المُشترك لما لا يقلّ عن المائة حزب سياسي الآن هي رغبتها في بلوغ السّلطة والحصول على موطئ قدم فيها، حيث أصبح هذا الهدف بمثابة البرنامج الوحيد والحقيقي الذي تُناضل من أجل تحقيقه أغلب الفصائل السّياسيّة، إن لم نقل كلّها. كما أنّ هذا الهدف بات المَطمح الحقيقي لجُزء كبير من النّشطاء الاجتماعيّين والحُقوقيّين والسّياسيّين المُستقلّين.

وليس أدلّ على ذلك أكثر من كون أن الجميع، أو على الأقل من استطاع إلى ذلك سبيلا، وبعد أن تجمّعوا في ما أسموه 'مجلس حماية الثورة'، ورابطوا فيه في انتظار توفّر الشّروط السّياسيّة المُناسبة للالتحاق بالسّلطة. في المقابل اضطرّ ضغط الثورة السّلطة البرجوازيّة الرّأسماليّة المهتزّة إلى تهيئة العديد من الفضاءات لاحتضانهم ولفّهم حولها لإرباك الحركة الثوريّة وإضعافها. لقد مثلت 'الهيئة العُليا لتحقيق...'. إلى جانب عديد الأطر الأخرى، أبرز محضنة لتفريخ نساء ورجال السّلطة القادمة التي ستوكل إليها مهمّة ترميم نظام بن علي وحمايتها ضدّ هجمات الثورة. هذا وقد خيّرت بعض الفصائل السّياسيّة الأخرى انتهاز فرصة طرد الدّكتاتور لتقفز بصفة مبكّرة في قطار السّلطة. فبدل السعي للالتحام بالحركة الثوريّة والسّير معها نحو السّلطة للشروع في بناء تونس أخرى أفضل، خيّر الجميع تلبية دعوة السّبسي وضمان مكان لها في السّلطة.

كما يقبل الجميع تقريبا، بالسّقف الذّي يُحدّده النّظام المُهتزّ، من ذلك القبول بالانتخابات للمجلس التّأسيسي باعتبارها المُهمّة السّياسيّة الوحيدة التي يجب أن 'تتوحّد حولها كافة الجهود" والتّي من أجل 'إنجاحها' يُنصح 'بالتحلّي بالصّبر' في انتظار 'شرعيّة' شكليّة يُزعم أنّها ستُوفّر الشغل للمُعطّل والغذاء للجَائع والعلاج للمريض والحريّة للمُستعبد.

كيف نفهم غياب مسألة الهيمنة الرّأسماليّة الأجنبيّة على تونس عن الجدل السّياسي، وكأنّ الثّورة التّونسيّة، والقضايا المصيريّة التي تطرحها، تجري على كوكب آخر. لماذا لا يقع وضع هذه الثورة في محيطها السّياسي والاقتصادي، ولماذا لا يقع تناول قضاياها في إطار التقسيم الدّولي الرّأسمالي للعمل، وبعلاقة مع فاعلين دُوليّين، يعلم القاصي والدّاني أنّهم المسؤولون الأوّل عن ما يلحق بالشعب التونسي من أذى وما يصيبه من آفات اجتماعية. ألم يكن بن علي بتسلطه واستبداده سوى الحارس المطيع لأسياد هم المستبدّون الحقيقيّون بالشعب التونسي؟

فأين النّضال ضدّ سياسة صُندوق النّقد الدّولي، والبنك العالمي، ومُنظّمة التّجارة العالميّة، وحلف النّاتو وناديا باريس ولندن؟ وأين النّضال ضدّ سياسة الإدارة والرّأسمال الأمريكيّين، والدّولة والرّأسمال الفرنسيّين والمفوضيّة الأوروبيّة والبرجوازيّة الأوروبيّة؟ وغيرهم، ممّن سلّطو بن علي على المجتمع التونسي، وأيّدوه وعقدوا مع نظامه الصّفقات، وحقّقوا معه الأرباح الطائلة، على حساب الجماهير الشعبية التونسيّة التّي لم ينلها من مشاريعهم ونموّهم الاقتصادي سوى مزيدا من الفقر والبطالة والاستبداد؟

أين النّضال ضدّ هؤلاء الأطراف غير الصّديقة اليوم، ولماذا السّكوت عن دورهم الإجرامي في حقّ الشعب التّونسي؟ فهل نحن أغبياء حتّى نتصوّر أنّها تُلازم الحياد، بينما تُهدّد الحرب الاجتماعيّة التي تدُور رحا في تونس مصالحها بصفة مباشرة؟ وهل تلزم الحياد أيضا، في الوقت الذي تتحوّل فيه الثورة التّونسيّة إلى قدوة لشُعوب المنطقة العربيّة، والشّعوب الإفريقية وشُعوب العالم قاطبة؟ أليس النظام الجائر الذّي ثارت ضدّه الجماهير الشعبيّة التونسيّة، هو تحديدا نظامها الجائر الذّي فرضته على المجتمع التّونسي مستعينة في ذلك بسُلطة دكتاتوريّة؟ يعتقد الثّوريّون المتماسكون أن البرجوازيّة العالمية المُهيمنة ليست بصدد الوقوف موقف الحياد، بينما تُحاول الثّورة دكّ أركان نظامها في تونس.

لذلك فإنّ من أوكد واجباتهم توجيه نيران نقدهم وأعمالهم الثوريّة، لا فقط ضدّ الرّأسماليّة المحليّة وتعبيراتها السّياسيّة المختلفة، بل وأيضا، وبشكل خاصّ، ضدّ القُوى الرّأسماليّة الأجنبيّة المهيمنة، التّي تفرض دكتاتوريّة مصالحها ضد الحقوق الأساسيّة للطّبقات الشّعبيّة في تونس.

يجب أن يتضمّن برنامج هؤلاء الثوريّين، خطّة عمليّة للنّضال ضدّ هذه المصالح المتشابكة، قصد تمكين الطّبقات الكادحة من التحرّر من دكتاتوريّتها وتحقيق سيادتها. كما لا يُمكن الفصل في هذه الخطّة ما بين النّضال ضدّ دكتاتوريّة 'داخليّة'، يتهيّأ لبعض الثوريّين أنّها العدوّ المباشر الذي يتوجّب مصارعته في مرحلة أولى، وأخرى 'خارجيّة' يرجأ النّضال ضدّها إلى وقت لاحق أو مرحلة مُوالية. إنّ النظام الاجتماعي الذّي ترعرع في ظلّ دكتاتوريّة بن علي هو نظام تشابكت فيه مصالح البُرجوازيّة العالميّة المُهيمنة والبُرجوازيّة المحليّة المُتعاملة معها.

إنّ البرنامج الثوري الوحيد الممكن، هو البرنامج الذّي يُناضل من خلاله الثّوريّون ضدّ النّظام القائم، أي نظام الهيمنة الأجنبية والاستغلال الرّأسمالي المُسلّط على الطّبقات الكادحة التّونسيّة من قبل البرجوازيّة العالميّة وحليفتها البُرجوازيّة المحليّة. ذلك هو الشّرط لتحقيق الدّيمقراطيّة الفعليّة والعدالة الاجتماعيّة والسّيادة الشعبيّة الوطنيّة.

تونس، 20 أوت 2011

فتحي الشّامخي

Publié dans DEMOCRATIE

Commenter cet article

Ali Laribi 04/09/2011 11:55


أخي العزير فتحي
كل ما كتبته في هذا التحليل هو حقّ و لا يسعني إلا أن أبارك لك ا جهودك الكبيرة، و الكبيرة جدا لوضع الأمور في نصابها. فقراءتك للوضع الداخلي و العالمي هي قراءة صائبة و لا تشوبها شائبة. فالشكر كل الشكر
و لزادت الأيام رجالا من أمثالك. فبفضل ثلّة قليلة من أمثالك يمكن لهذه الأمة أن تخرج من نفقها المظلمة كما يمكن تغيير كل الحياة على وجه الأرض. فلك الشكر مرة أخرى و لك الفخر و عشت طويلا و جزاك الله
خيرا. و السلام.