معركــــة ’السّيــــادة الشعبيّــة الوطنيّـة ‘2

Publié le par FATHI CHAMKHI

50 DINARS

المديونيّة

طفت قضيّة المديُونيّة إلى السّطح في تونس، منذ مُنتصف ثمانينات القرن الماضي، فيما كان النّظام الرّأسمالي التّابع يحتضر. وعندما بلغت أزمة النّظام البورقيبي ذروتها، سنة 1986، كانت أحد مؤشّراتها عجز الدّولة عن تسديد خدمة الدّين الخارجي العمومي. وكان من الواضح أن هذا النّظام، الذّي استنفذ طاقته بالكامل، قد أصبح عاجزا على الاستمرار.

عند استيلاء بن على على الحكم، كانت تونس مَدِينةً بأقلّ  من 5 م.د (مليار دينار)، وعند طرده، تركها مدينة  بـ 30 م.د.  خلال فترة حكمه، سدّدت تونس (خدمة الدّين)، حوالي 46 م. د وتداين بن علي بما قيمته 39 م. د) ديون جديدة)، أي أنّ تونس خسرت 7 م.د(39-46) بعنوان المديونيّة في ظل نظام بن علي. لا تقف خسائر الشعب التونسي، بعنوان المديونيّة، عند هذا الحدّ، فتونس التي كانت مدينة بـ 5 م.د والتي خسرت 7 م.د أصبحت الآن مَدِينة بـ 30 م.د !

ويمتدّ أذى المديُونيّة ليطال الأخضر واليابس تقريبا، خاصّة عندما يتراكب مفعولها مع شروط ربحيّة المشاريع الرّأسماليّة الأجنبيّة. حيث تمنح مجلّة الاستثمارات لهذه المشاريع امتيازات جبائيّة عديدة هامّة، خاصّة منها الإعفاء من الضريبة على الأرباح ممّا ينتج عنه حرمان الخزينة العموميّة من موارد ماليّة هامّة نظرا لحجم أرباح الشركات الأجنبيّة التي تشتغل كلّها تقريبا في الأنشطة التصديريّة المربحة.

وللتعويض عن هذه النقص الفادح في الموارد، تلتجأ السّلطة، شأنها في ذلك شأن دولة البايات سابقا، إلى إثقال كاهل الأجراء والكادحين والجماهير الشعبيّة عموما بالضرائب والرّسومات، فخلال فترة حكم بن على وفي الوقت الذّي تضاعف الناتج المحلّي الخامّ ثلاث مرّات، تضاعفت موارد الجباية 5.7 مرّة، مثل تضريب الاستهلاك الشعبي عبر التفنّن في اختلاق شتّى أنواع الرّسومات والمكوس خاصّة منها "الأداء على القيمة المضافة" أو حملات النّهب المبرمج السّنويّة لفائدة "صندوق26-26" سيّء الذّكر، ممّا يؤدّي بدوره إلى إلحاق الضّرر بمصالح الأنشطة الاقتصاديّة المرتبطة بالسّوق المحليّة.

وكذلك تضريب الأجراء، حيث ارتفع متوسط الأداء على الأجور من %8.2 سنة 1995 إلى  %11.4 سنة 2004. في الأثناء تقلّصت حصتهم في إجمالي الدّخل المحلّي. في المقابل تمّ التخفيض في نسبة الأداء على الأرباح الرّأسماليّة إلى حدود %30.

واعتماد سياسة التقشف في المصاريف العموميّة الاجتماعيّة عن طريق ما يعرف بسياسة تسليع الخدمات العموميّة وخفض الاعتمادات النّسبي للشّؤون الاجتماعيّة وللتّعليم وللصحّة وللثقافة. وهي السّياسة التي ساهمت في مزيد تدهور أوضاع الجماهير الشعبيّة، خاصّة نتيجة تراجع مُساهمة السّلطات العُموميّة في حماية قدرتها الشرائيّة، وهو ما يُبرزه تقهقر نسبة هذه المُساهمة من إجمالي الاستهلاك الخاصّ من %6.2 سنة 1984 إلى%1.3 سنة2008 والتّي من انعكاساتها على العائلات الشعبيّة،.

ثمّ التّفويت في المؤسّسات الاقتصاديّة العُموميّة عن طريق سياسة الخوصصة، ممّا يضع حدّا نهائيّا لمحاولات بناء ما يسمّى بالاقتصاد الوطني، والذّي كان يبرّر، ولا يزال، المديونيّة. ففي التّحليل الأخير ذهبت المُنشآت، التي استولى على أغلبها الرّأسمال الأجنبي وقُطّاع الطرق المحليّين، فيما بقي للشّعب التونسي عبء الدّيون.

واتباع سياسة اللّزمات، أي فتح مجالات ربح جديدة أمام الرّأسمال الأجنبي، مقابل فرض انسحاب السلطة العموميّة من الاستثمار في النشاط الاقتصادي، مع تحميلها العبء المالي لتجهيزات البنية الأساسيّة، التّي تموّل عن طريق الدّيون، والتّي يستلزمها سير أعمال الرّأسمال الأجنبي بوجه خاصّ.

لا تكفي هذه الإجراءات، وإجراءات أخرى كثيرة، رغم عُنفها ولا ديمقراطيّتها وطابعها المُعادي للمصالح الشعبيّة للتّعويض على النّقص الفادح على مستوى المقابيض العموميّة الذّي تفرضه الهيمنة الرّأسماليّة الأجنبيّة على تونس. لذلك يتمّ اللجوء إلى الدّيون الخارجيّة، ناهيك وأنّ الدّيون الجديدة لم تعد تكفي لتسديد خدمة الدّيون القديمة.

لذلك فإن الخروج من منطق المديونيّة يؤدّي بدوره إلى مراجعة جذريّة للسياسة المتبعة  بما يعنيه ذلك من مراجعة لامتيازات الرأسمال الأجنبي في تونس، ومن إعادة النظر في السّياسة الجبائيّة والنفقات العموميّة الاجتماعيّة ومستوى الأجور، إلخأي وضع خطة اقتصاديّة واجتماعية وثقافية ذات محتوى شعبي وديمقراطي وسيادي.

تلك هي حقيقة المديونيّة التّي من واجب الثوريّين شرحها للكادحين وللمفقّرين وللمعطّلين، أي الآليّة التي وقفت ولا تزال حجر عثر أمام محاولاتهم المتواصلة، وتضحياتهم الجسيمة، لتحسين أوضاعهم وضمان حقوقهم الأساسيّة.

ليست المديونيّة إذن آليّة تمويل خارجي لما يسمّى"جهود التّنمية"، كما يزعم الفكر السّائد، بل هي آليّة نهب وتحويل لجزء هامّ من الدّخل المحلّي لفائدة الرأسماليّة العالميّة. وغنيّ عن القول بأن الوسطاء المحليّين يغنمون الكثير، في شكل رشاوي واستيلاء وسرقات من أموال الدّيون لحسابهم الخاصّ.

لقد تخلّصت تونس من بن علي، لكنهّا لا تزال تعاني من المصائب التي تركها ورائه على غرار فاتورة ديون ثقيلة، تمثّل عقبة ماليّة، وكذلك سياسيّة، أمام جهود الطبقات الكادحة والجماهير الشعبيّة التّي تصبو إلى تحقيق طموحاتها المشروعة. وعلى عكس ما تزعمه الحكومة المؤقّتة وحلفائها، فإنّ دُيون بن علي هي ديون نظامه الدكتاتوري، كما هي، في جزء منها، ديونه الخاصّة، وليس للشّعب التّونسي مسؤوليّة فيها. فالجماهير الشعبيّة التّي تخلصت من الدكتاتور، بفضل ثورتها، من حقّها أن تتخلص من دُيونه.

إنّ طريق المديونيّة، كان ولا يزال طريق الاستعباد والاستغلال والتفقير، فليس لنا أمل في مستقبل أفضل ما بقيت هذه الآليّة جاثمة على أجسامنا. فمهما كانت النّوايا صادقة، والبرامج جذريّة، والعزائم مشحوذة، فإنها جميعا ستتحطم على جدار صدّ المديونيّة ما لم نُبادر بالتخلّص منها.

إنّ كلّ خطاب يسعى إلى تبرير المديونيّة هو خطاب يتستّر على نظام الاستغلال والاستعباد الرّأسمالي والامبريالي وخطاب يقف في صفّ أعداء الشعب. فليس حيال المديونيّة موضعه بين موضعتين، فإمّا مع بقاءها أو مع زوالها.

Publié dans DEMOCRATIE

Commenter cet article