فلنناضل من أجل بديل دستوري ديموقراطي واجتماعي

Publié le par FATHI CHAMKHI

enfant-studiex.jpgفي أقل من 48 ساعة من الآن سيتم نسف الأسس المؤسساتيّة التي يقوم عليها النظام السياسي الذي تم إقراره غداة الاستقلال وذلك عن طريق استفتاء لا ديموقراطي. وبالتأكيد ليس في الأمر ما من شأنه أن يجعل الشعب التونسي ينعى دستورا قد أقرّ في ما مضي الحكم الفردي لبورقيبة. لكن على الشعب التونسي أن يخشي إقرار نص دستوري يغتال مبدأ الدستور في حد ذاته. إن الوظيفة الأساسيّة للوثيقة التي ستقوم مقام الدستور هي إعطاء الرئيس الحالي للدولة الإمكانية للترشح لنيابتين رئاسيتين أخريين كما تمكنه من أن يجمع بين يديه سلطة إضافية تفوق ما كان يحوزه بورقيبة زيادة على حصانة مدى الحياة وهو ما يبينه بكل وضوح بيان "تجمع الجمعيات المستقلة" .

ومع ذلك فإنه علينا أن نبين رفقة أصدقائنا من مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة أنّ الفصل 28 جديد ينص على أن "لا تكون مشاريع القوانين المقدمة من طرف أعضاء مجلس النواب مقبولة إذا كان إقرارها يؤدي إلى تخفيض الموارد العامة أو إلى إضافة أعباء أو مصاريف جديدة". إنّ هذا الفصل يزيد في تضييق صلاحيات السلطة التشريعية ممّا سيكون له أسوأ الانعكاسات على المستويين الاقتصادي والاجتماعي كما أنّ الفصل 32 جديد يمنح رئيس الجمهورية صلاحية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية. وهذا التجميع للسلط يزيد في المخاوف في وقت تدعم فيه المفاوضات العالمية الجارية التحرير الليبرالي للأسواق.

إنّ الظاهرة الأساسية للمرحلة المقبلة هي تركّز مبالغ فيه للسلط بين يدي رئيس الجمهورية وهو أمر يتوّج مسارا كاملا من مصادرة الحقوق السياسية للشعب، حيث لا يقع فقط التراجع عن السيادة الشعبية في مستوى الممارسة فلأنكي هي أنها ستُنسَفُ كمبدأ دستوري. إنّ النتيجة السياسية الأولى التي علينا استخلاصها من هكذا وضع هي الضرورة الملحّة لبديل دستوري.

إنّنا نسعى من خلال هذه المداخلة الموجزة إلى المساهمة في دفع التفكير في هذا الاتجاه حيث لم يعد يكفينا التنديد، في الوقت الذي أصبح فيه اقتراح البدائل أمرا ملحا. كما أن المقترحات التي نسوقها هنا لا تلزم تماما "رَادْ - أتاك تونس" حيث أن النقاش داخل هذا الموضوع ومواضيع عديدة أخرى لم يستكمل بعد ولكن جميعها يدخل في إطار اهتمامات الجمعية ويستجيب لتصوراتها.

ففيم يعني المشكل الدستوري جمعيتنا ؟

إنّ الجواب على ذلك لبديهي حيث أن الفصلين 28 و 32 اللّذين أشرنا إليهما سابقا يبرزان العلاقة الوثيقة القائمة بين المسالة الدستورية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية ولكن أكثر. ثم إنّ راد- أتاك تونس وباعتبارها جمعية مواطنيّة هي معنيّة مباشرة بكل مل من شأنه أن يضيّق أو يوسّع مجال الحريات والمواطنة بالإضافة إلى ذلك فإنّ النضال ضد العولمة اليبرالية وانعكاساتها على بلادنا يمكن أن يترجم على النحو التالي : إنّه النضال ضدّ سعي المؤسسات المالية العالمية والشركات العابرة للقوميات ولصناديق المضاربة وغيرها من الشبكات الاقتصادية المافيوزية في تقرير مصير كوكب الأرض بدل الشعوب وذلك استنادا في بعض الأحيان على أبشع الديكتاتوريات وإنّا لعلى دراية تامّة بهذا الأمر.

انطلاقا من قناعتنا بأنّ "العيش سويّا" سياسيا هو أيضا أن ننتج وأن نستهلك سويّا فإنّ جمعيتنا تناضل من أجل فرض الرقابة المواطنيّة على السياسات الاقتصادية والاجتماعية. إنّ راد تدافع عن الفكرة القائلة بضرورة أن يوجه الاقتصادي ويعدّل بطريقة واعية وأنّ يكون هدف السياسات الاقتصادية هو تلبية الحاجيات الاجتماعية لجميع الأفراد مع ضرورة المحافظة على البيئة وفي احترام تام للأجيال القادمة.

فلنحذرالمطالبة بـ "دولة محدودة النفوذ" وذلك باسم استقلالية المجتمع المدني وكرد فعل على الدكتاتورية البوليسية ولنحذر كذلك البديل الدستوري الذي يتوهّم التوفيق ما بين الدفاع عن المواطنة والتصور النيو- ليبرالي للدولة والاقتصاد

لا يمكن تصوّر الدستور كجدار واق من الاستبداد والظلم فقط فوظيفته لا تقتصر على حماية المجتمع من الدولة ولا الدولة من المجتمع وإنّما تنظيم علاقتهما. فبإمكاننا أن نشبه هذه الأخيرة بالعلاقة الغرامية التي يمكن أن تكون قاتلة عندما يتماهى تماما العشيقان أو على العكس عندما يتباعدان. فالدستور يجب إذن أن يقوم على مبدأيْ تنظيم المجتمع والدولة : الحرية والمساواة، فأحدهما يستوجب الآخر والاثنان يكوّنان الأسس المتلازمة للمواطنة أي للسيادة الشعبية. فعلى الدستور أن يحدّد الشروط التي تمارس فيها السلطة السياسية بكيفية تحيي معها السيادة الشعبية وذلك بالإضافة إلى الضمان الفعلي  لحقوق الإنسان، هذا المكسب التاريخي للنضالات، والحقوق المواطنيّة في التنظّم السياسي والإضراب والانتخاب ..الخ والتي على الدستور ضمانها ضمانا فعليّا.

انطلاقا من هذه الاعتبارات العامة نودّ اقتراح بعض المسائل للتفكير والنقاش وهي مسائل نستلهمها من مطالبنا الديموقراطية الملحّة ومن صلب الحركات المناهضة للعولمة الليبرالية في العالم :

1- في الوقت الذي تتعمّق فيه أزمة الدولة-الأمة والتمثيلية السياسية الحديثة علينا أن نسعى إلى إبراز الصيغ الدستورية الكفيلة بضمان المساهمة الفعلية للمواطنين في مسارات أخذ القرار والتنفيذ والمراقبة. إنّ سلطة التمثيلية البرلمانية على السلطة التنفيذية هي اليوم مطلب أساسي كما تطرح في نفس الوقت قضيّة فكّ تمركز السلطة السياسية والإدارية. ومن وجهة النظر هذه فإنّ مبدأ subsidiarité يمكن أن يمثّل منطلقا لحلّ يقيم أشكالا من الإدارة المحلية والجهوية. إنّ الظفر بالحريات السياسية وبحق الانتخاب هو ممّا لاشكّ فيه من الأولويات لكنّ وفي نفس الوقت تطرح قضيّة المساواة السياسية الفعلية المستندة إلى النضالات من اجل المساواة الاجتماعية التي تعدّ من شروطها الأساسية. فما هي الآليات التي تسمح للنساء بأن لا يتمتّعن فقط بالمساواة الاجتماعية مع الرجال - وهو في حدّ ذاته أمر غير مضمون- بل وأيضا أن يتمتّعن بالمساواة السياسية. إنّ عديد الإجراءات ذات طابع "التمييز الإيجابي" يمكنها أن تمثّل أشكالا انتقالية مناسبة في اتجاه امتصاص الفارق في مستوى المواطنة ما بين الرجال والنساء وفي نفس الاتجاه كذلك ربّما بإمكاننا أن نهتدي إلى بداية حلّ لمعضلة نقص التمثيل للشرائح المحرومة من السكان فالضرورة الديمقراطية تتطلب بالإضافة إلى أهمية الإقرار بمبدإ المواطنة تفرض القطع مع اللامساواة الاجتماعية التي تحول دون الممارسة الفعلية للمواطنة

2- قطعا لا تكفي إضافة مجموعة من الحقوق الاجتماعية إلى قائمة حقوق الإنسان والمواطنة حتّى نعطي بعدا اجتماعيا لبديلنا الدستوري ومع ذلك فإنّ الحق في أجر يضمن حياة كريمة وحق الشغل والتعليم والصحة والسكن هي كلها حقوق أساسية تمثل دعائم ممارسة المواطنة ومن هذا المنطلق يجب أن يأخذ الدستور الديمقراطي هذه الحقوق بعين الاعتبار ، وعليه أن يضمن كذلك الطابع العمومي للخدمات الاجتماعية وان يتضمّن البنود التي تمنع خوصصتها : كخوصصة الإدارة أو الثروات الأساسية للبلاد مثل الماء ومصادر الطاقة

والمطلوب بالنسبة للحاجيات الاجتماعية الأساسية هو إسنادها صفة الحق المصمون في القانون الأساسي للدولة.

ومن بين عديد الأمثلة الأخرى يمكننا أن نذكر الدستور الذي تبناه المجلس التأسيسي الإيطالي سنة 1947.فعلى الرغم من أن عديد الفصول التي يتضمنها هذا الدستور لم تعد مناسبة مثل هذا المقطع الذي يشير إلى المرأة : "إن دورها الأساسي في البيت" (فصل 37 عنوان 3) لكن عديد الفصول الأخرى خلافا لذلك تتماشى تماما مع متطلبات الوضع الراهن : "لكل المواطنين كرامة اجتماعية وهم سواسية أمام القانون دون ميز في الجنس أو العرق أو الدين أو الرأي السياسي أو الأوضاع الشخصية والاجتماعية. وعلى الجمهورية أن تذلل العقبات الاقتصادية والاجتماعية التي تحد بصفة فعلية من حرية المواطنين ومساواتهم وتتعارض مع تفتح الذات البشرية وتحول دون المشاركة الفعلية لكل العمال في التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد" (فصل 3 المبادئ الأساسية).كما "تضمن الجمهورية لكل المواطنين حق العمل وتخلق الشروط الضامنة لهذا الحق" (فصل 4 المبادئ الأساسية). ويضيف الفصل 36 (العنوان 3) "للعامل الحق في أجر يتناسب مع كمية عمله ونوعيته وفي كل الحالات أجرا كافيا يضمن له ولعائلته حياة حرة وكريمة" وفي الفصل 37 "للمرأة العاملة نفس الحقوق وفي حال تساوي العمل تتقاضى أجرا مساو لأجر الرجل العامل" ويكمل الفصل 38 الحكم "لكل مواطن عاجز عن العمل ولا يملك وسائل العيش الحق في الضمان والكفالة الاجتماعيين" . كما تؤكد فصول أخرى على حقوق الصحة والتعليم... الخ

بالتأكيد أن رئيس البنك العالمي والخبراء النيو-ليبراليين ورؤساء الشركات التونسية سيعتبرون أن هذا يتعارض مع الحق الاقتصادي في حين أن الأمر يتعلق بضمان حرية المواطنين في مواجهة دكتاتورية الأسواق. فالدستور الإيطالي لسنة 1947 لا يذكر شيئا آخر غير ذلك، إذ يعترف بأن "المبادرة الاقتصادية الخاصة حرة" (الفصل 47 العنوان 3) لكن دون التخلي الكامل لقوى السوق عن دائرة الحاجيات الأساسية للأفراد "فهي -أي المبادرة الاقتصادية الخاصة- لا يمكنها أن تمارس في تناقض مع المنفعة الاجتماعية أو بكيفية تمس الأمن والحرية و الكرامة الإنسانية. فالقانون يحدد البرامج وصيغ المراقبة المناسبة لتنسيق النشاط الاقتصادي العمومي والخاص وتوجيهه نحو تحقيق الغايات الاجتماعية".

3- فهذه المسائل هي أكثر أهمية اليوم لأن التونسيين ليسوا فقط مجردين من مواطنتهم من طرف نظام بن علي بل هم معرضون أيضا لتأثيرات العولمة الليبرالية. فمبدأ سيادة الشعب هوجم بعنف من طرف يد السوق الخفية ويد ليست خفية لكنها غليظة وقاسية بتسييرها لعصا بن علي، فالسوق تتضايق وتستبد وتتعولم. يؤكد دستور 1959 على استقلال تونس في إطار عالم دول ذات سيادة وعلاقات متبادلة. هذا الاستقلال تحصلت عليه تونس في تصادم مع دولة أخرى هي القوة الاستعمارية الفرنسية. فما معنى أن نعطي للاستقلال عندما تستبدل أو تتضارب سيطرة شبكات نفوذ مجردة لكنها تعتمد على نسيج قوي لعلاقات السوق والمال في ظل أي علاقات دولية ؟

فمن جهة أكبر أن الشروط الاقتصادية للمؤسسات المالية الدولية وقرارات الشركات متعددة الجنسيات والاتفاقات التجارية تمثل دستورنا الحقيقي. فهدف الجولة الجديدة لمفاوضات المنظمة العالمية للتجارة التي انطلقت في الدوحة هو إعادة وضع تهديدات الاتفاق المتعدد الأطراف حول الاستثمار حول الاستثمار في جدول الأعمال وهو ما يحوم حول السيادة الشعبية "فنحن نمر من حق الشعوب في تقرير مصيرها إلى حق المستثمرين في تقرير مصير الشعوب" وهو ما نبه إحدى المؤسسات المعارضة لهذه المعاهدة وكان ذلك هو هدف الشركات متعددة الجنسيات : إلغاء كل التشريعات الوطنية التي تعرقل حرية نشاط قوى السوق وإجبار البلدان على فتح حدودها لرؤوس الأموال الأجنبية دون قيد ووضع كل خيرات البلاد بما فيها الممتلكات والخدمات العمومية للتفويت والتراجع عن كل حماية لاقتصادها وعن كل حماية اجتماعية وعن كل حماية للبيئة إلى حدود التعرّض غلى تتبعات قضائية من طرف الشركات العالمية بدعوى التعرض إلى قواعد التنافس! والاستثناء الوحيد الذي وقعت الموافقة عليه خلال هذه المفاوضات وتبناه الاتفاق المتعع الاطراف يخصّ الجيش والبوليس. لكن بلادنا لا يهمّها ذلك لأنّ الجيش والبوليس اصبحا منذ مدّة ملكيّة فردية!

إنّ المبادرة الدستورية التي نتوق إليها هي كما تفتح أفقا على كلّ تطور للمواطنة العالمية يجب أن تخلق أدوات مؤسساتية تحول دون تفتيت للسيادة الشعبية الذي هو غاية العولمة المتزايدة للعلاقات الاقتصادية والسياسية.

وهكذا وبالاكتفاء بمثالين فقط فعلى المبادرة الدستورية أن تذكر في نصّها حماية اقتصادنا كطلب مواطني من درجة أولى وكما هو الشان لحماية بيئتنا أي أجيالنا القادمة وذلك بمنع أن تكون بلادنا مصبّا للنفايات السامّة للشركات الأجنبية.

إنّ السيادة الاقتصادية والسيادة الوطنية والسيادة الشعبية كلّ لا يتجزّأ ترسّخه المبادرة الدستورية البديلة في الظرف الحالي.

تونس في 24 ماي 2002

Publié dans DEMOCRATIE

Commenter cet article