ارحل ! ارحل ! ارحل. لنضع حداً نهائياً للماضي

Publié le par FATHI CHAMKHI

لقد بقيت الجماهير التونسية خاضعة للديكتاتورية، طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، ثم لزمها 29 يوماً فقط  للتحرر منها! إن هذا النص المكتوب على عجل هو مساهمة لمحاولة فهم ما الذي جرى، وللاستمرار في العمل والتقدم بصورة واعية داخل الحركة الثورية، نحو تحقيق نموذج المجتمع الذي تتطلع لبلوغه الجماهير الشعبية والشبيبة في تونس، نموذج يضع في مركز اهتماماته التلبية الكاملة لحاجات الجماهير الشعبية الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، والبيئية، مع احترام مبادئ الحرية والمساواة والقواعد الديمقراطية والطبيعية.

وقائع الأيام الـ 29 التي غيّرت تونس!

في 17 من ديسمبر / كانون الاول، وبعد التضحية بشاب (محمد البوعزيزي) عاطل عن العمل/ بائع متجول للخضار في السادسة والعشرين من عمره، يحمل شهادة جامعية، في سيدي بو زيد (المنطقة الوسطى غربي تونس)، تجمّع فريق من المتظاهرين الغاضبين امام مقر الولاية . وتكرر المشهد في الايام التالية وحصلت اشتباكات مع الشرطة، أُخذت لها عدة افلام فيديو. وقد جرى نشر هذه الاخيرة بواسطة الانترنت، ولا سيما عن طريق الفيسبوك. وقد حصلت قناة الجزيرة التلفزيونية الفضائية، التي يشاهدها الناس كثيراً في تونس، على نُسخ عنها قامت بعرضها بشكل واسع. 

         في الايام التالية، انتقل الاحتجاج الى المدن المجاورة، وأدى الى صدامات شديدة العنف مع فريق لمكافحة الشغب. وسقطت الضحية الاولى بالرصاص في 24 ديسمبر / كانون الاول. وقد واصلت الفيسبوك والجزيرة عرض افلام فيديو مأخوذة وقائعها من شبكة الانترنت، في وقت حدوثها تقريباً . وقد ادى نشر المعلومات حول وضع الحركة، مباشرة وبصورة متواصلة، بواسطة الجزيرة الفضائية، التي استندت الى مئات افلام الفيديو التي اخذها مباشرة مناضلون مجهولون فهموا الأهمية الاستراتيجية لشهادتهم، والتي عرضها مهتمون بالانترنت على شبكاته، أدى ذلك الى استثارة سخط السلطة ، والى إعلام الناس بحقيقة ما يجري. هذا وقد لعب الانترنت ايضاً دور الواسطة لنشر الدعوات الى الاضراب، ولتنسيق اعمال التعبئة ، ولا سيما عن طريق طلاب المدارس، وحركات الشبيبة بصورة أعمّ، الذين عرفوا كيف يستفيدون منها الى اقصى حد. من جهة أخرى، كانت السلطة مدركة تماماً ما تفعل حين سعت دائماً لقمع الانترنت ووضعه تحت رقابة بوليسية دائمة . وبهذه المناسبة، لا يمكن أن لا يتجه تفكيرنا الى الشهيد زهير يحياوي، الذي كان اول من يدخل سجون بن علي من المنشقين التونسيين، المعبرين عن معارضتهم للنظام بواسطة الانترنت.

هكذا جرى كسر مسعى الديكتاتورية للتضييق على وسائل الاعلام في البلد. مُذاك، بات يمكن الجماهير التونسية ان تحصل على المعلومات حول نضالاتها الخاصة بها ضد السلطة الاستبدادية، في حين هي تعلم ان في وسع العالم بأسره أن يسمع بهذه النضالات . ولكن السلطة تعرف، بوجه خاص، أنه لم يعد يمكنها ان تخفي جرائمها . ولقد اغضبت صور القمع التونسيين كثيراً، ولكن ما صدمهم بعمق، إنما هو استشهاد بوعزيزي. فالتوتر امتد ليشمل البلد بأسره.

         وإزاء اتساع الاحتجاج ليشمل مدن السهوب العليا، وهي بؤر حقيقية للاضطراب الاجتماعي، ولا سيما تاله وقصرين، أمر بن علي شرطته بإطلاق النار على المتظاهرين، وذلك بصورة "معتدلة" في الاسبوعين الثاني والثالث من الاحتجاج، ثم بصورة منهجية في الاسبوع الرابع. وقد يكون عدد الشهداء بلغ المئة، بحسب الامم المتحدة، في حين بلغ عدد الجرحى الآلاف.

         ولكن الايام الخمسة الاخيرة هي التي كانت حاسمة بالنسبة لمصير الثورة. فلقد سرّع الاحداث، بوجه اخص، حدثان كبيران.

         فمن جهة، انخرط التلامذة بكثافة في الحركة، بعد اسبوعين من التعطيل الدراسي، وفي الوقت عينه، بقيت الجامعات هادئة نسبياً، بسبب الامتحانات . وهذه التعبئة الشديدة في المدارس، التي ادت الى مواجهات مع الشرطة في مناطق عدة، دفعت بن علي مرة ثانية لإلقاء كلمة متلفزة ، أبقى خلالها على موقف صارم في خطابه الاول في 28 ديسمبر / كانون الاول. ولكن التمرد تجدد في اليوم التالي بشدة في كل مدارس البلد.

         لقد تدخلت الحركة الطلابية إذاً في لحظة هامة من السيرورة الثورية. فهي حصلت ، اولاً، في حين كان القمع يشتد، خلال نهاية الاسبوع. كان نظام بن علي يود هكذا ان يقمع التمرد الشعبي في الدماء. ثم بقيت الحركة ، في اليوم الخامس والعشرين من الثورة ، متمحورة حول مدن الوسط الغربي: سيدي بوزيد وقصرين وتالة. ولقد كانت حركة تلامذة المدارس، على الرغم من عدم استمرارها اكثر من مدة قصيرة ( يوماً ونصف يوم)، عنصراً حاسماً في الحركة الثورية، التي دفعت بها للامتداد الى كل انحاء البلد. وقد فهم بن علي الخطر المحدق، فأمر بإقفال المدارس والجامعات حتى إشعار آخر. وقد تم الاعلان عن إعادة فتحها تدريجياً ابتداء من يوم الاثنين 24، ولكن رد فعل النقابات توقف ايضاً، وسيكون ذلك اليوم يوم اضراب في التعليم الابتدائي والثانوي.

         من جهة اخرى، بقيت تونس العاصمة خارج الحركة حتى الثلاثاء 11 جانفيي/كانون الثاني، وذلك على الرغم من محاولات عديدة من جانب مئات النقابيين الذين تجمعوا على امتداد ايام عدة امام مقر الاتحاد العام للشغيلة التونسيين، في ساحة محمد علي الصغيرة، ولكنها اشتعلت في ذلك اليوم بدورها. وفي الوقت عينه، امتدت الحركة الثورية لتشمل مجمل المدن الساحلية وجنوبيَّ البلد.

         في اليوم السادس والعشرين، ألهبت الثورة اخيراً كامل البلد. فبعد إقفال المدارس، غيّر بن علي وزير الداخلية، وقرر منع التجول ليلاً في اربع من الولايات يتركز فيها نصف النشاط الاقتصادي في تونس.

         وبموازاة ذلك، فإن السلطة، التي نشرت الجيش في مرحلة اولى في المدن التي حدثت فيها صدامات عنيفة، ولا سيما سيدي بوزيد وقصرين وتالة، قررت نشره في العاصمة يوم الثلاثاء 12 جانفيي/ كانون الثاني.

         إلا أن ثمة أمراً هاماً يتمثل في أن الجيش، قليل العدد، والفاقد اي دور فعلي في الجهاز القمعي الخاص ببن علي، الذي يفضل عليه وزارة الداخلية، وبوجه اخص جهازها البوليسي الخاص بها المربوط بالقصر مباشرة، رفض أن يلحق ببن علي في جنونه الدموي. فرئيس اركان الجيش البري، الجنرال ر. عمّار، فضل الاستقالة على أن ينصاع لأمر بن علي بإطلاق النار على المتظاهرين. لقد خذل الجيش السلطة ، أخيراً إذاً ، في لحظة حاسمة جداً، لحظة ظهر فيها أنه، على الرغم من الامكانات الكبيرة للشرطة، من حيث العدد، باتت عاجزة عن مواجهة حركة بهذا الاتساع. اكتفت الوحدات العسكرية المنشورة في المدن الكبرى، بالبقاء "بتعقّل تام" ، حول بعض الابنية، ولا سيما المصارف ومقار الولاة والمندوبين، او المحاكم ، بهدف حمايتها من غضب المتظاهرين الذين نهبوا وحرقوا عدداً كبيراً من مراكز الشركة والحرس الوطني. وعلينا التنويه ايضاً بأن الجنود تدخلوا مراراً لحماية المتظاهرين من الشرطة.

         ولقد كان الاتحاد الوحيد للشغيلة، الاتحاد العام للشغيلة التونسيين (ا ع ش ت)، عاملاً آخر في الثورة. فحتى العاشر من جانفيي/ كانون الثاني، نجحت قيادة الاتحاد (المكتب التنفيذي)، وبوجه اخص أحمد جراد، الامين العام، في الابقاء على حياد سلبي للاتحاد النقابي حيال الحركة الثورية، ولكن ايجابي، في الواقع، حيال السلطة. وفي مقابلة اعطاها احمد جراد لصحيفة الصباح التي يملكها س. الماطري ، صهر بن علي، عبر عن عدم تضامنه مع التجمعات التي حصلت امام مقر الاتحاد العام للشغيلة التونسيين، زاعماً ان غالبية المتظاهرين ليسوا اعضاء في الاتحاد، واكد عدم موافقته على الشعارات التي رُفعت خلال تلك التجمعات .

         ان انتقال الاتحاد العام للشغيلة التونسيين الى جانب الثورة تم خلال انعقاد اللجنة الادارية الوطنية (ل ا ن)، وهي هيئة القرار الثالثة بعد المؤتمر والمجلس الوطني. فلقد اتاحت هذه اللجنة لمندوبي شتى النقابات القطاعية ولممثلي الاتحادات المناطقية، المنخرطة جداً، ومنذ البداية، في الحركة الثورية، أن يصححوا اتجاه الاتحاد العام، الذي اعلن اخيراً عن انحيازه المكشوف للثورة. وهكذا، لا يتدخل الثوريون التونسيون في الحركة التونسية تحت راياتهم السياسية الخاصة بهم، بل بالأحرى عبر بُنى الاتحاد العام التي ينغرسون فيها منذ زمن بعيد. ولأجل تخفيف هذا الضعف، يتشكل تجمُّع لليسار، يضم ايضاً مجموعات قومية وبعثية، في حلفٍ سياسي يحمل اسم "جبهة 14 جانفيي".

         ولأجل فضح القمع وإسناد الحركة الثورية، دعت اللجنة الادارية الوطنية
 (ل ان) الى سلسلة اضرابات مناطقية ابتداء بالثاني عشر من جانفيي. وقد تم تعيين موعد الاضراب في تونس العاصمة ليوم الجمعة 14 جانفيي، ما بين التاسعة والحادية عشرة صباحاً. وكان هذا الاضراب، والتجمع الشعبي الذي حفزه، رصاصة الرحمة التي قضت على سلطة بن علي .

         وليكون وصفنا شاملاً بصورة كافية، علينا ذكر الدور الذي لعبه مجلس نقابة المحامين، وآلاف المحامين الذين تحركوا طوال الايام الثورية، وكانوا عاملاً هاما في دينامية الحركة عموماً وتصميمها. فلا احد يشك في انهم لعبوا دوراً حاسماً، هو الآخر، في مواصلة الثورة وانتصارها. كما ان قطاعات مهنية اخرى برزت في الحركة الثورية ولعبت، في هذه اللحظة او تلك، دوراً هاماً في التعبئة، إما بصورة مباشرة وكهيئة شرعية، كالمحامين، او عبر نقاباتها ، كما الحال مع المعلمين او مع القطاع الصحي.

         واخيراً، فإن احزاب المعارضة السياسية التي كان يعترف بها بن علي (كحزب التجديد – الحزب الشيوعي التونسي سابقاً بقيادة أ.ابراهيم، والحزب الديمقراطي التقدمي، بقيادة ن شبِّي، والمنتدى الديمقراطي للعمل والحريات ، بقيادة م.بن جفار)، التي تجاوزتها الاحداث كليا، لم تفعل سوى مراقبة الحركة، محاولة أن تلعب هنا او هناك دوراً ما ، ولكن بصورة غير مؤثرة، بسبب ضعف انغراسها في الجماهير، ولكن ايضا بفعل عماها السياسي، الملازم لطبيعة المصالح الطبقية التي تمثلها.

         والأسوأ من ذلك أنها، لما كانت عديمة الثقة بالجماهير الشعبية وبالشبيبة، وتشك في تصميمها وقدرتها على إطاحة الطاغية، استجابت بعد الكلمة الثالثة المتلفزة التي القاها بن علي لسياسة اليد الممدودة التي اعتمدها: "لمصلحة الوطن المهدّد". فحتى الدقيقة الاخيرة، احتفظت هذه الاحزاب بشكها في الثورة ، وحتى فرار الديكتاتور، لم يمتلك أيٌّ من قادة هذه الاحزاب ما يكفي من الشجاعة لوضع نفسه بصراحة ووضوح في معسكر الثورة . كانوا مستمرين في التطلع نحو بن علي، فيما هم يديرون ظهرهم للثورة!

         ولا يدهشنا ان يكونوا عرضوا خدماتهم على حكومة الثورة المضادة، مذ برزت هذه الاخيرة.

         وفي الواقع، فإن كل الاحزاب السياسية التي تعترف بها السلطة- وخمسة منها هي مجرد ملحقات بالتجمع الدستوري الديمقراطي، وثلاثة تدور في فلك هذا الاخير- بقيت مرتبطة ببن علي، والأكثر جرأة بينها كانت تضع كل آمالها في "انعطافة ديمقراطية" من جانب بن علي. والى اليوم ، حتى بعد سقوط الطاغية، لا تزال هذه الاحزاب تتحدث عن "انعطافة ديمقراطية"! فالثورة مفهوم محته من قاموسها السياسي منذ زمن بعيد، ولا يدهشنا اليوم ان تكون نسيت معناها.

 

هل كانت الشروط الموضوعية ناضجة للثورة؟

    ليس المقصود ان نقدم هنا تحليلا مفصلا لوضع تونس الاقتصادي والاجتماعي قبل الثورة، ولا للوضع السياسي بوجه خاص. فليس هذا وقت ذلك ولا مكانه، فضلاً عن اننا لم نفعل غير ذلك ، تقريباً، على امتداد الثلاثين سنة الاخيرة، في ما يخصني على الأقل. المقصود هو فقط محاولة تقديم بعض المداخل للتحليل. فالجدال لا يزال في بدايته!

         لقد شهدت تونس ، منذ استقلالها في العام 1956، نظامين رأسماليين: أولاً نظام بورقيبة (1956 – 1987)، وهو تنويعة محلية لرأسمالية الدولة، ثم نظام بن علي (منذ 1987)، الرأسمالي الليبرالي. وكلا النظامين لم يتيحا تحسُناً ملموساً لظروف حياة الجماهير الشعبية، على الرغم من معدل نمو اقتصادي بلغ الخمسة بالمئة. وحدها اقلية محلية استفادت منه، في حين ان قسماً هاماً من هذا النمو جرى تحويله الى رأس المال العالمي بواسطة آليات شتى ، كتحويل الارباح التي تحققها المشاريع الاجنبية الى بلدانها، والدَّين الخارجي، وهرب الرساميل الذي تلجأ اليه البرجوازية المحلية ...

         لقد مارس نظام بورقيبه – في الوقت نفسه الذي ضيّق فيه كثيراً على الحريات السياسية- سياسة ضبط وتنظيم على المستوى الاجتماعي أدت الى تطوير المجتمع بصورة تقدمية. وتكمن فرادة هذه السياسة، بوجه خاص، على صعيد المكانة المعطاة لتحسين وضع المرأة، ولا سيما بفضل اصدار قانون للاحوال الشخصية في العام 1956، ومنح حق التصويت (1957)، وإرساء التخطيط العائلي (1964)، والتقدم السريع لتعليم الفتيات ، وفتح مجالات الشغل امام الإناث...

         وبموازاة ذلك، شهد المجتمع تحولات عميقة اخرى، كتمدين البلد السريع الذي أفضى الى قلب العلاقة الديمغرافية بين المدينة والريف. وقد جرى التحكم بحجم هذا التمدين، الى هذا الحد او ذاك، بفضل تضاؤل النمو السكاني ، وسياسة إسكان شجعت حصول شرائح واسعة من السكان على المأوى، على الرغم من بعض الاخطاء. وتُمكن الإشارة ايضاً الى النمو السريع للاجور، الذي وطد وضع الطبقة العاملة في المجتمع ، ويفسر اهمية الاتحاد العام للشغيلة التونسيين في ميزان القوى الاجتماعية في البلد.

         وحوالى نهاية السبعينيات(من القرن الماضي)، بدأ هذا النظام يُظهر اشارات إنهاك، في الواقع، ولا سيما تلك المتعلقة بالانحطاط البيرقراطي للدولة والجهاز الاقتصادي الذي كانت تشرف عليه، وبانخفاض الريع النفطي والانعكاست الاقتصادية والاجتماعية المزعجة لبطء نمو القدرة الشرائية لدى المأجورين. يضاف الى ذلك استمرار معدل بطالة مرتفع.

         وفي بداية الثمانينيات ، تدهور الوضع اكثر تحت التأثيرات المجتمعة لأزمة الدَّين الخارجي (1982)، والازمة السياسية التي كانت نتيجة لنظام "الرئاسة مدى الحياة"، الذي جرى ارساؤه في العام 1975، وللعولمة الرأسمالية النيوليبرالية.

         كانت الازمة الاجتماعية قد تجلّت بعنف خلال انتفاضة الخبز في العام 1984، ثم عن طريق هجوم السلطة على الاتحاد العام للشغيلة التونسيين في العام 1985، الذي ادى الى شلله. في حين كانت الأزمة السياسية قد تكثفت حول مسألة خلافة "المجاهد الأكبر"، ولكن ايضاً بفعل النمو المشهود للحركة السلفية الاسلامية.

         ان السلطة، التي كانت قد اصبحت تعاني اقصى الفشل، اختارت في الاخير تغيير الاتجاه وأن تتبنى ، بدءاً بالعام 1986، سلسلة من الاصلاحات الرأسمالية النيوليبرالية، التي كانت تطرح بدورها شرطاً ممهداً لتطبيقها يتمثل في حل ازمة خلافة بورقيبة. وتلك كانت المهمة الاولى لانقلاب 7 نوفمبر 87.

         ولقد نجح الحزب / الدولة الدستوري، خلال الازمة الشاملة للنظام الدستوري، في العام 87، خلافاً للحال في الازمة الحالية، نجح في حل ازمته، وتحاشي اندلاع ثورة تطيحه.

         لقد ورثت السلطة الجديدة وضعاً اقتصادياً واجتماعياً متأزماً، وبلداً منهكاً للغاية بسبب اكثر من 30 عاماً من السلطة الشخصية المستندة الى بُنى بيرقراطية خنقت المجتمع بأسره. وفي "إعلان 7 نوفمبر" ، الصادر عن بن علي، وهو اول بيان موجه الى التونسيين، وعد بن علي بالديمقراطية و التقدم الاجتماعي، وفي ما بعد، لم تنفك السلطة القديمة / الجديدة تعلن عن "تشبثها الثابت بالقيم الديمقراطية " وبأهداف العدالة الاجتماعية. هذا في حين انه، على صعيد الواقع اليومي، جرى النكوث بهذه الوعود باستمرار بصورة فاضحة، لا بل مهينة لذكاء ابناء تونس. لم يكن احد مخدوعاً، وكان الرفض والغضب يتراكمان باستمرار، ويتحولان الى كراهية لا توصف لسلطة بن علي. واذ كانت هذه السلطة تواظب على تفكيرها الاجتراري الانتحاري، كانت تحفر قبرها كل يوم اكثر.

فعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن ان نلاحظ تأكيد إدراج الاقتصاد المحلي في "القسمة العالمية للعمل"، اي كاقتصاد رأسمالي تابع مالياً، وتكنولجياً، وتجارياً ، حيال الاقتصاد العالمي المسيطر. وفي الوقت ذاته ، جرى تعزيز حريات الرأسمال الخاص وقوى السوق، عموماً، بصورة حاسمة .

         هذا وقد عبّرت الحركية الاجتماعية – الاقتصادية التي تم تحفيزها، انطلاقاً من العام 1987، في إطار برنامج التصحيح الهيكلي، وبصورة إجمالية، في إطار العولمة الرأسمالية النيوليبرالية، عبّرت عن نفسها بانكفاءٍ اجتماعي واضح، يشهد عليه استمرار بطالة هامة، والظاهرة التي تلازمه، المتمثلة بالهشاشة التي اصابت الاستخدام، وعموماً، تراجعُ تونس ضمن التصنيف العالمي للتنمية البشرية.

         وعلى الصعيد السياسي، نلاحظ تعزيز رقابة بيرقراطية الحزب/ الدولة الدستوري على المجتمع، مع اتجاه واضح جدا لتضييق هامش التفاوض لدى ذوي الاجر (بوصفهم طبقة اجتماعية)، بما يخص علاقات العمل وتوزيع القيمة المضافة، تحت الرقابة السياسية المزدوجة للدولة ومن ينوب منابها داخل الطبقة العاملة، اي البيرقراطية النقابية في الاتحاد العام للشغيلة التونسيين.

         ان احد تجليات هذا الاتجاه الاكثر إيذاء، انما هو تشكيل انوية سلطة موازية، متبلورة على قاعدة عشائرية وتمتلك هامشاً فعلياً من الحرية حيال السلطة المركزية. هذه المجموعات، صاحبة المصالح الاقتصادية، والتي تستطيع استخدام اي وسيلة لبلوغ اهدافها ، تنتسب، لأجل ذلك ، الى تجمعات ذات طابع مافياوي.

         واذا حكمنا على الاقتصاد التونسي على اساس النمو الاقتصادي ، فهو يظهر كاقتصاد ناجح كفاية، لأنه يخلق معدّل نمو سنوي مقداره 5%، منذ نصف قرن. بيد ان توزيع المداخيل بين رأس المال والعمل غير متكافئ بتاتاً.

         والاخطر من ذلك أن هذا النمو، ولا سيما في ظل النظام الرأسمالي النيوليبرالي، يُخفي ممارسات تسيء الى المصالح الحيوية للجماهير الشعبية؛ وعلى سبيل المثال، فإن قسماً هاماً من هذا النمو هو ناتج التضحية بسلع معينة بأسعار بخسة للغاية، لا بل ناتج الاستيلاء المافيوي على القسم الاكبر من الجهاز المنتج، وممارسة سياسة الامتيازات التي تتيح لرأس المال الأجنبي إعادة استعمار تونس بصورة مباشرة، فضلاً عن تجميد الاجور، وإضعاف قوة العمل، والابقاء على بطالة هامة ، وتوسيع دائرة الاستخدام المحدود لليد العاملة، والتدمير المنظّم للخدمات العامة، و"التخلي" عن مناطق بكاملها متعرضة للاهمال ومحوّلة الى صحارى اقتصادية واجتماعية... نموٌّ خادع في الواقع، هو ثمرة نظام قائم على نهب تونس بصورة منهجية.

         لقد زادت مداخيل رأس المال، ، خلال العقدين الاخيرين، اللذين يتناسبان مع المرحلة النيوليبرالية، بنسبة 75 بالمئة، مقابل تجميد للأجر المتوسط الفعلي    (1)    ، وفقدان للقدرة الشرائية، بوجه خاص، بنسبة 10 بالمئة في حالة الاجور الدنيا.

         فإذا أخذنا أسعار العام 1983 كقاعدة حسابية، نجد ان مؤشِّر أسعار العام 1983 ضُرب بـ 3.03 في العام ،2006 في حين ان مؤشرات الحد الادنى من الأجور في الصناعة والخدمات     (SMIG)     ومؤشِّر الزراعة      (SMAG)     ضُربت على التوالي بـ 2.4 و 2.7. بمعنى آخر، فإن المستوى الفعلي لهذين الاخيرين كان    (2)     ، في العام 2006، ادنى تقريباً بنسبة 15 بالمئة مما في العام 1983! وفي الوقت نفسه، فإن الناتج الداخلي الاجمالي     (PIB)     للشخص الواحد، المعبر عنه بأسعار العام 1983، بات مضروباً بـ 4.9 في العام 2006. وهذا يُظهر خسارة واضحة على صعيد القدرة الشرائية     بصورة اخص، بالنسبة للـ 280 الف شغيل ( 13% من مجموع الأجراء) الذين يحصلون على اجر الحد الادنى. يمكننا أن نلاحظ ايضاً، على ضوء تطور اسعار المنتجات الغذائية الاساسية التالية، مدى تراجع القدرة الشرائية للجماهير الشعبية التونسية، ولا سيما تحت تأثير الليبرالية الاقتصادية منذ العام 1987. ففي الواقع، بات سعر كيلو الخبز مضروباً بـ 3.8؛ ولحم الخروف بـ 4.1؛ والسكر المطحون بـ 3.9، والطحين بـ 7.1: المعجنات الغذائية بـ 3.5؛ وسميد الكوسكوس بـ 5.2 وسعر ليتر الحليب المبستر بـ 4.2. في حين ان الحد الادنى الاسمي للأجور (نظام الـ 40 ساعة ) ضُرب بـ 2.6!

         وإذا حكمنا على النمو الاقتصادي، من وجهة نظر الاستخدام، نلاحظ أنه لا يفيد القوى الكادحة، هنا ايضاً. فلقد بلغ معدل البطالة (الرسمي)، في العام 2009    (1)    ، نسبة 14.7بالمئة من السكان العاملين، وهذا المعدل اقل بقليل من مستواه التاريخي في العام 1997، اي 16%. ومستوى البطالة هذا يعتبر بين اعلى المستويات في العالم، اذا قارناه بمعدل البطالة العالمي، وهو 6% (بحسب تقديرات العام 2009). فضلاً عن ذلك ، هو باقٍ عند هذا المستوى المرتفع منذ ما يقارب نصف القرن، علماً بانه يتراوح بين 14% و 17%.

 

تطور معدل البطالة (%) في تونس (1966 – 2009)

 

 

 

 

في الوقت نفسه، بقي معدل الاستخدام    (2)     منخفضاً ما فيه الكفاية؛ فقط  %40.3 في العام 2008. أي أن قرابة ستة اشخاص من عشرة، في سن العمل، لا يعملون اقتصادياً، وهو ما يجعلنا نفكر بأن وضع الاستخدام اخطر بكثير مما يشير اليه معدل البطالة.

         وإذا صدَّقنا إحصائيات الاستخدام في تونس، بقي مستوى الاستخدام ، للوهلة الاولى، غير متأثر بتبدل سياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية، وبالاندماج في منطقة التبادل الحر الاوروبي – المتوسطي، حتى ولو ان معدل البطالة تراجع خلال العقد الاخير بنسبة نقطتين ونصف مئوياً، قبل أن يندفع صاعداً منذ نهاية العام 2008.

         وفي الواقع، فإن الحقيقة اكثر تنويعاً بكثير:

-        فمن جهة ، قد يبدو ان التدابير الاقتصادية والاجتماعية الليبيرالية لم تفاقم مستوى البطالة "الثابت" ، كما انها لم تساهم في تحسينه ايضاً: ففي مرحلة اولى (1989 و 1997)، زاد معدل البطالة من نسبة 15.9% الى نسبة 16.8%، ثم تلت ذلك مرحلة ثانية سجلت انخفاض مستوى البطالة الى 14.1% في العام 2007. وفي الوقت الحالي، فإن انعكاسات الظرف الاقتصادي الرديء في الاتحاد الاوروبي، شريك تونس الاقتصادي الرئيسي، تعبّر عن نفسها بتفاقم البطالة.

-        ثم إذا كان صحيحاً أيضاً ان معدل البطالة هذا يبقى غير متأثر تقريباً بالتغيرات في الاتجاه، على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي ، فإن مضمونه تطور كثيراً ، ولا سيما بما يتعلق بالنمو المذهل للبطالة بين اصحاب الشهادات الجامعية.

-        اكثر من ذلك، فإن "لغز" مستوى بطالة لا يتأثر تقريباً بإعادات الهيكلة النيوليبرالية يمكن تفسيره بتفاهم هشاشة الاستخدام والاتساع المذهل لنقص الاستخدام الذي يلعب دور ذخيرة الأمان لسوق العمل.

-        واخيراً، يمكن التفكير أيضاً بأن الثبات النسبي لمعدل البطالة يجد تفسيره، جزئياً، بالنمو الكبير لبرامج دعم الاستخدام التي تخطى عدد المستفيدين منها المئتي الف في العام 2007، او ما يشكل معدل "بطالة مقنّعة" بنسبة 5.6%، بكلفة اجمالية مقدارها     252 MDT    (سندات خزينة خاصة)،وهو ما يعادل 2.8% من الايرادات الضريبة الكلية للدولة، او 17.1% من الضرائب المباشرة على الرواتب والاجور. لقد دعم صندوق الاستخدام الوطني لوحده، حوالى 770 الف شخص كانوا يبحثون عن عمل بين العام 2000 (تاريخ إنشائه) والعام 2007. والحاصل ان الاتساع المتعاظم لبرامج دعم الاستخدام هو في ذاته دليل بديهي على تفاقم وضع سوق العمل، وعلى الفشل الواضح لليبرالية الاقتصادية في حل ازمة الاستخدام .

ولكن لكي نقدّر جيداً وضع سوق العمل، فإن معدل البطالة، على الرغم من اهميته، يبقى غير كافٍ. فلأجل القيام بذلك، يجب ان نأخذ بالحسبان ظاهرة نقص الاستخدام (استخدامات غير رسمية، عقود عمل غير نموذجية يتم الخضوع لها، عمل موسمي وعاطلون عن العمل "مُقنَّعون" أو "فاقدون للمعنويات").

        وهذا الاخير (نقص الاستخدام) يصيب، وفقاً لحساباتنا المرتكزة على إحصائيات ال    INS      ، جزءاً هاماً نسبياً من الذين لديهم عمل، يمكن أن نضعه بسهولة فوق نسبة الـ 60 بالمئة!

        اخيراً ، اذا عدنا الى "التقرير العالمي حول التنمية البشرية"، في برنامج الامم المتحدة للتنمية، بخصوص النتائج التي حققتها تونس على صعيد التنمية البشرية، اي بتقدير نتائجها الخاصة بها بالنسبة لنتائج أمم العالم بأسرها، نلاحظ أنه منذ العام 1993، لم تنفك تونس تتراجع في التصنيف الدولي، وفقاً لمؤشر التنمية البشرية
(م ت ب): من الرتبة 78 في العام 1993، تراجعت الى الرتبة 98 في العام 2007. اي ان تونس تركت عشرين امة اخرى، من مثل تركيا، تسبقها على مدى السنوات الخمس عشرة الاخيرة (انظر الجدول الوارد ادناه)

البلد

1993

2007

تونس

78

98

تركيا

84

79

 

هذا التقهقر في التصنيف، وفقاً لمؤشر التنمية البشرية، يتلازم مع تعمق للتفاوتات الاجتماعية. ويبرز ذلك بفعل التصنيف بواسطة مؤشر التنمية البشرية ناقص التصنيف على اساس الناتج الداخلي الاجمالي للشخص الواحد ( في الـ     PPAأو التكافؤ في القدرة الشرائية) : كانت النتيجة سلبية بمقدار 13 درجة، ثم ناقص 20 درجة في العام2000 ،واخيراً ناقص 23 درجة في العام 2005.

         وثمة وجة آخر للواقع التونسي، وهو يتعلق بممارسة العائلات المافيوية التي نجحت في السيطرة المباشرة على جزء بكامله من الاقتصاد المحلي، والقبض     على الباقي بكامله تقريباً، وذلك مستفيدةً من حماية السلطة الديكتاتورية ومن الرأسمالية الليبرالية. هذه العائلات التي كانت على رأسها عائلة بن علي وعائلة طرابلسي، وبالطبع كل تلك التي ارتبطت بها، ولا سيما عن طريق المصاهرة ، أفسدت عملياً كل النشاط الاقتصادي بفعل ممارساتها المافيوية، وجعلت الاهتراء يدب في كل مؤسسات الدولة . وقد ساهمت هذه الظاهرة في إثارة مشاعر الرفض والتمرد، ليس فقط لدى الطبقات الشعبية بل كذلك داخل البرجوازية بالذات، وهذا له الأهمية ذاتها. لقد نجحت تلك العائلات في أن تؤلِّب ضدها كل الطبقات الاجتماعية. وانه لأكيد اخيراً ان الظرف الاقتصادي الصعب الذي يجتازه الاقتصاد التونسي منذ نهاية العام 2008، والذي اصرت سلطة بن علي على التقليل من اهميته، سرّع سقوط الطاغية .

         وفي رأينا أن الرفض الذي عبرت عنه الجماهير التونسية لنظام بن علي، والذي ادى الى الثورة، لا يمكن تفسيره فقط بتفاقم الظروف المعيشية، وإفقار شرائح واسعة من السكان وتهميشها، ولا سيما في مناطق البلاد الداخلية. إن الوعي الذي طوَّره التونسيون يخصوص هذا النظام تغذى بالمشاعر المستثارة للظلم والتفاوتات الاجتماعية الصارخة، وبمشاعر الاذلال والوعود المحنوث بها . وقد تحولت الوعود غير الصادقة ، والثقة المغدورة، الى كراهية عميقة لسلطة بن علي...

 

ما هي المهام الفورية بعد سقوط الطاغية!

يشكل يوم 14 جانفيي / كانون الثاني النهاية الظافرة للطور الاول من الثورة التونسية على نظام بن علي. وعلى الرغم من فرار الطاغية، فان المسألتين الأساسيتين اللتين طرحتهما هذه الثورة، وبالتحديد المسألة الاجتماعية والمسألة الديمقراطية ،  لا تزالان على جدول الاعمال.

         ان المعركة تتركز الآن حول مسألة استراتيجية هي مسألة تفكيك الحزب / الدولة الدستوري، الذي لا يزال العائق السياسي الأهم في طريق السيرورة الثورية. فسلطة بن علي المحتضرة ترفض الاستسلام على الرغم من هزيمتها الاخيرة في مواجهة الثورة. لقد اهتزت وضعفت، ولكنها تُناور لأجل الحفاظ على موقعها. والثورة المضادة تعمل، وجهازها السياسي هو "حكومة الوحدة الوطنية" الحالية (ح و و)، التي يرأسها محمد الغنوشي، وزير بن علي الاول، سابقاً، منذ العام 1999 وصانع السياسة الرأسمالية النيوليبرالية في تونس.

         ان الحركة الثورية لا تزال فاقدة التنتظيم ومن دون قيادة سياسية. والشعارات الوحيدة التي توحد هذه الحركة وتوجهها، في الوقت عينه، هي بصورة اساسية:"حل حكومة محمد الغنوشي" ، و"حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي". وبالطبع، ثمة مطالب اخرى يوجد حولها اجماع واسع جداً، ولا سيما "الجمعية التأسيسية" و"الحكومة الانتقالية" أو "حكومة الخلاص الوطني"...

         كنا قد قلنا في السابق ان كل الطبقات الاجتماعية كانت لها مصلحة بديهية في سقوط سلطة بن علي، وهو ما يعني ايضاً تفكيك سلطة العائلات المافيوية. وهذا التحالف الموضوعي بين الطبقات المحرومة والطبقة الرأسمالية لا يسمح فقط بتفسير احد اسباب الثورة وانتصارها على الطاغية وزمرته، بل يوضح لنا ايضاً رهاناتها الحالية.

         فبعد ان تخلصت البرجوازية المحلية من بن علي تريد الاستتباب السريع لنظامها، النظام الرأسمالي النيوليبرالي، والابقاء على البُنى السياسية التي تضمن ديمومته. إن حكومة الوحدة الوطنية هي الاداة السياسية التي ترمي الى هذا الهدف.

ليست البرجوازية غبية، وهي تعرف ان الجماهير الشعبية والشبيبة هي التي قامت بالثورة وانها هي التي دفعت ثمنها بعد ان عانت بصورة رهيبة في ظل بن علي. وما من ممثل لهذه البرجوازية، اكانت الاحزاب السياسية، او نقابات أرباب العمل او بعض الشخصيات العامة... أراد أو امتلك شجاعة أن يدعم على المكشوف الحركة الثورية ، وأقلَّ أيضاً أن يقود هذه الحركة. لذا فمن المشروع ان ترفض هذه الجماهير وتلك الشبيبة إعطاء السلطة لحكومة الوحدة الوطنية. والبرجوازية تعرف ايضاً انها لا تمتلك اي شرعية لدى الجماهير. ولتجاوز هذا الضعف، حاولت ان تستوعب الاتحاد العام للشغيلة التونسيين في ح و و، وفي سياق ذلك قادة ثلاثة احزاب من المعارضة القانونية.

ولقد ردت قيادة الاتحاد العام (اي المكتب التنفيذي) بالايجاب، ليس من دون أن تهيئ لنفسها سلفاً باباً للنجاة. وهذا هو معنى التوصية التي قدمها المكتب التنفيذي الوطني في الخامس عشر من جانفيي / كانون الثاني: "حكومة من دون ممثلين للحكومة السابقة". فأحمد جراد (الامين العام للاتحاد العام لشغيلة تونس) الذي لم يُخفِ يوماً دعمه لبن علي، طرح ثلاثة اسماء لوزراء نقابيين في تلك الحكومة . (ولكن) لجنةالإدارة الوطنية CAN     ، في اجتماعها، في 21 جانفيي/ كانون الثاني، اعادت الاتحاد العام للشغيلة التونسيين الى معسكر الثورة، حين لم تقرر فقط استقالة هؤلاء الأخيرين، بل ايضاً انسحاب اعضاء الاتحاد من البرلمان ومجلس المستشارين ، وزادت على ذلك المطالبة بحل حكومة الوحدة الوطنية وحزب التجمع الدستوري الديمقراطي. وهذا القرار الهام يجب أن يُنسب الى اقصى اليسار، بوجه خاص، المنغرس بصورة جيدة جداً في الاتحاد العام للشغيلة التونسيين.

         إن انسحاب الاتحاد العام من الحكومة، الذي ادى الى استقالة وزيرين آخرين احدهما محمد بن جفار، اضعف هذه الحكومة. ولكنه قوَّى، بوجه خاص، عزيمة الحركة الثورية، التي عادت الى الهجوم على (ح و و) وحزب التجمع. وبما ان وزراء بن علي لا يمتلكون اي شرعية لدى الجماهير والشبيبة، يحاولون الاختباء خلف وزيري المعارضة، اللذين يتمتعان بالاحترام لدى الجماهير، وذلك لأجل اعتراض الحركة الثورية وسد الطريق امامها.

         إن هجوم الاتحاد العام للشغيلة التونسيين على (ح و و) لا يتوقف هنا؛ فلقد جرى اجتماع جديد للجنة الإدارية الوطنية، في 21 الشهر ، وقررت الدعوة لحل الحكومة ومواصلة النضال، عن طريق الاضرابات والمظاهرات، الى حين "إعادة تركيب" الحكومة، بحيث لا يعود فيها وزراء لبن علي.

         اما الاحزاب والتكوينات السياسية الاخرى، ومن بينها "حركة النهضة" (حزب اسلامي) التي تمتلك قبولاً شعبياً اكبر، فتتفق جميعها على رفض وجود وزراء بن علي، وعلى المطالبة بدستور جديد.

         ان تشكيلات اليسار الثوري، ولا سيما حزب العمال الشيوعي التونسي، وحزب العمل القومي الديمقراطي  ، اللذين يمتلكان تنظيماً أفضل، فضلاً عن مناضلي المنظمة الشيوعية الثورية السابقة، التي كانت عضواً في الاممية الرابعة، وتكوينات قومية اخرى، قد تجمعت للتو في "جبهة 14 جانفيي". وهي منغرسة بقوة في الاتحاد العام للشغيلة التونسيين، وتؤثر في الاحداث السياسية عبر هذه القناة، علماً بان انغراسها في الجماهير ضعيف جداً بسبب الديكتاتورية، بوجه خاص، التي كانت تعيث في البلد فساداً.

         ماذا عن الجيش؟ لقد عرف كيف يبقى على الحياد منذ بداية الثورة في 17 ديسمبر/ كانون الاول، لا بل حمى المتظاهرين ضد الشرطة مراراً. وفي الواقع، لا نزاع بين الجيش والشعب التونسي، على الاقل منذ وصول بن علي الى السلطة . فكيف سيتصرف الجيش في حال حصول أزمة حكومية خطيرة؟ يصعب الجواب ، فلقد حرص بن علي على ان يكون ضعيف التجهيز والعدد. لذا ستواجهه صعوبات كبرى اذا استولى على السلطة ، في مسعاه لمد سيطرته الى مجمل اراضي تونس.

         بالمقابل، فان البنية القوية كفايةً، والتي تمتلك شبكة على المستوى الوطني وأعداداً كافية من العناصر، انما هي وزارة الداخلية. وعلينا ان لا ننسى ان هذه الوزارة بالذات هي التي ساعدت بن علي، على امتداد 23 عاماً، في تقسيم تونس الى مربعات وإبقائها تحت وطأة الهلع والخوف. وشتى بُنى وزارة الداخلية معتادة على الاتصال بالناس، وتعرف الارض معرفة تامة. وهذه الوزارة التي كانت موضوعة في السابق تحت رقابة بن علي المباشرة ، تبدو حالياً حرة من اي وصاية . وهي لا تزال تثير الهلع، وثمة اسباب لذلك، فهي لا تزال تركز بين يديها طاقة قمعية هامة، من حيث العدد والتجهيزات .

         إلا أن التطورات الاخيرة تبدو تجعل هذا الواقع نسبياً. فمنذ ثلاثة ايام، وفي عدة مدن، نظم رجال شرطة وحرس وطنيون، بثيابهم العسكرية او بالثياب المدنية، مظاهرات يطلبون فيها العفو من شعب تونس، ويعبرون عن غضبهم على الطاغية السابق. وما تجدر ملاحظته انهم عبروا بوضوح عن مطلبهم تشكيل نقابة تدافع عن مصالحهم كحاصلين على أجر.

         هذا ولا تزال الحركة الثورية حازمة. فهذا المساء، وعلى الرغم من منع التجول والبرد، حاصر مئات المتظاهرين مبنى رئيس الوزراء، للمطالبة باستقالة حكومته. وكان بينهم مشاركون في القافلة الاولى للحرية، التي وصلت في هذا الصباح الى العاصمة قادمة من منزل بوزيان. وغداً هنالك قوافل اخرى يتم انتظارها في تونس.

         وغداً أيضاً، بعد الاعلان عن إعادة فتح المدارس الابتدائية والمعاهد، دعت نقابة التعليم الى اضراب غير محدود حتى استقالة حكومة الوحدة الوطنية (ح و و )، وقد تنضم الى الحركة قطاعات اخرى، علماً بأن سيارات النقل العام في تونس، ولا سيما الباصات، مضربة منذ يومين.

         اخيراً تتواصل المظاهرات المستهدفة مقرات حزب التجمع، وكذلك مطاردة مدراء المنشآت الفاسدين، والمعروفين بانتسابهم الى هذا الحزب. هكذا فإن رؤساء مجالس ادارة وموظفين كباراً في المنشآت العامة، والادارات المركزية، والمصارف العامة، وحتى الخاصة، كما الحال مع بنك تونس، جرى طردهم من وظائفهم بواسطة مستخدمين غاضبين.

         واخيراً ، يبقى الوضع غير مستقر اطلاقاً ، على الرغم من مناورات (ح وو)، ولا سيما وزيري المعارضة السابقة، وحزبهما السياسي، وقنوات التلفزيون التي تضغط كلها لأجل وضع حد للحركة، ولوضع كل الناس ثقتهم بالادارة الطيبة التي لا ينفك يدّعيها اعضاء  (ح وو).

         ان الوضع يتطور بسرعة على الارض، ولا يزال تصميم الشارع على اطاحة النظام القديم عظيماً جداً، ولكن هامش المناورة لدى (ح وو) لا يزال واسعاً ايضاً ، على الرغم من انه يزداد ضيقاً يوماً بعد يوم، إزاء هجمات الشارع . ولكن (ح وو) تعرف بأن الوقت يلعب لصالحها.

Publié dans DEMOCRATIE

Commenter cet article