نقد الاستراتيجية النيو-ليبرالية في تونس

Publié le par FATHI CHAMKHI

يتم في تونس، منذ 16 سنة، اتباع استراتيجية اقتصادية واجتماعية جديدة. فهل تستجيب هذه الاستراتيجية النيو-ليبرالية إلى تطلعات التونسيين إلى العيش في حرية وكرامة ورفاهة ؟ أي، هل تفتح فعلا الطريق أمامهم لمستقبل أفضل ؟

تهدف الإجراءات النيو-ليبرالية إلى إعادة تنشيط آليات النمو الاقتصادي قصد ترميم ربحيّة رأس المال. ولئن نجحت في ذلك بكيفية أبعدت، ولو لحين، شبح أزمة منتصف الثمانينات وجلبت استحسان الدوائر الرأسمالية العالمية فإن الوسائل التي يتحقق بها هذا النمو والثمن الاقتصادي والاجتماعي الذي يستوجبه يدفعاننا إلى عدم مشاطرة هذه الدوائر الرأي :

أولا، لأن النمو الاقتصادي الجاري لا يستند إلى تحسن متناسب للاستثمار المنتج أي أنه لا يتحقق على أساس توسع القاعدة الإنتاجية المحلية (كما وكيفا). بل إنه يتغذى، إلى حد كبير، عن طريق منظومة "أفاريات" تتشابك فيها الأعمال الاقتصادية بعمليات مشبوهة تنتمي إلى ما يسمى "اقتصاد الجريمة".

كما يتحقق هذا النمو بواسطة تشديد وتيرة استغلال قوى العمل وصغار المنتجين وحتى المتوسطين منهم. ويتطلب تخلي الدولة المتزايد عن وظائفها الاجتماعية.

أخيرا وليس آخر، يتسبب نمط النمو النيو-ليبرالي في تنشيط ملحوظ لآليات ترحيل فائض القيمة المحلية، حيث بلغ مجموع الأموال المرحّلة، المعلنة عنها، خلال 16 سنة المنقضية، ما لا يقل عن 18،5 ألف مليون دينار (بما في ذلك الأرصدة التونسية بالخارج).

يبارك الرأسماليون هذا النمو الاقتصادي لأنهم يجنون منه أرباحا طائلة. ونحن نقول أن حياتنا أغلى من أرباحهم... نحن نريد اقتصادا في خدمة التنمية البشريّة. اقتصادا يؤمّنُ رفاهية الحياة للجميع ويحمي الموارد الطبيعية والطاقة الحياتية. غير أن النمو الاقتصادي الذي يتحقق في تونس في ظل الشروط المعطاة ليس نموا بناءا وإنما هو نمو مدمر.

يزعم الفكر السائد أن الاستثمار المباشر الأجنبي هو نصيرنا في معركة التنمية والتقدم. بل هو في التحليل الأخير "أملنا الأخير للنجاة". وبالتالي تسند له السلطة القائمة ما لذ وطاب من الامتيازات والتسهيلات الاقتصادية والاجتماعية كما توفر له حماية سياسية كبيرة تتمثل في جوّ "الأمن والآمان" السائد عندنا، بالإضافة إلى اتفاقيات حماية الاستثمار التي عقدتها مع ما يقارب 50 بلدا من أهمها الاتفاق التونسي الفرنسي (أكتوبر 1997).

وكنتيجة لهذا السخاء، تمكن الرأسمال العالمي، وتحديدا الأوروبي، من التغلغل بدرجة هامة في قطاعات الاقتصاد المحلي، وخاصة منها التي تضمن له ربحية عالية، فهو يتواجد اليوم (بدرجات متفاوتة) في نصف الشركات الصناعية، كما أن خُمُسَها هي شركات أجنبية مائة بالمائة (967 شركة من مجموع 5262 شركة صناعية تشغل أكثر من 9 أشخاص). بالإضافة إلى ذلك فإن ثلث الشركات في القطاعات المصدرة (النسيج والملابس الجاهزة والجلد والأحذية والصناعات الكهربائية والإلكترونية) هي شركات استثمار مائة بالمائة أجنبية. كما يحقق الرأسمال الأجنبي ثلث الصادرات الصناعية "التونسية". أخيرا، 56% من الرأسمال الأجنبي المستثمر في تونس هو من أصل فرنسي وإيطالي. علما بأن نصف "مبادلاتنا" التجارية تتم مع هاتين الدولتين. إن في ذلك أكثر من دلالة عن طبيعة العلاقات التي تدعمها السياسية النيو-ليبرالية وتنميها في تونس.

بلغ مجموع رؤوس الأموال الأجنبية التي دخلت إلى تونس منذ 1987، ما يقارب 5500 مليون دينار[1]في الأثناء، رَحّل الرأسمال الأجنبي، في شكل أرباح، القيمة نفسها تقريبا ! وبالتالي فإن العلاقة التي تقيمها السياسة النيو-ليبرالية ما بين الرأسمال الأجنبي والاقتصاد المحلي ليست علاقة تقوم على أساس "المصلحة المشتركة"، بل إن الشروط التي تخلقها تهدف إلى ضمان الربح الأقصى للاستثمارات الأجنبية على حساب المصالح الأساسية لتونس.

هكذا يتبين لنا أن كل الادعاءات حول الدور البناء للاستثمارات المباشرة الأجنبية إنما هو مجرد غطاء أيديولوجي لتبرير علاقات التبعية وما ينتج عنها من نهب مستمر لثروات البلاد. يحصد الرأسمال العالمي ووكلائه المحليين الأرباح الوافرة ونحن نتحمل الأعباء !

كما يزعم الفكر السائد أن السياسة النيو-ليبرالية تمكن من تخفيف عبء الدين الخارجي الشيء الذي يجعله يلعب دوره كاملا في تمويل مجهودات التنمية.

فلنبدأ بالتثبت من صحة الإدعاء الأول، حيث بلغ قائم الدين الخارجي التونسي سنة 1987 ما قيمته 5 آلاف مليون دينار تقريبا. ثم، ومنذ ذلك التاريخ حتى سنة 2002، سددت تونس بعنوان فوائض الدّين فقط[2]8.5 آلاف مليون دينار. لكن بالرغم من ذلك، فإن قائم الدين قد ارتفع، سنة 2002، إلى 17 ألف مليون دينار ! وبالتالي نتحصل على المعادلة العجيبة التالية 5 - 8,5 = 17 ! وكنتيجة لذلك ارتفع، خلال نفس المدة، عبء فوائض الدين الخارجي، بحساب الساكن الواحد (سنويا)، من 42 دينار إلى 72 دينار، وبحساب الشّغّيل الواحد، من 162 دينار إلى 247 دينار.

أما عن حجّة تمويل النشاط الاقتصادي فإنها لا تصمد هي الأخرى أمام الحقيقية. حيث سددت تونس بعنوان الديون القديمة أموالا تفوق ما تحصلت عليه بفضل القروض الجديدة بقيمة 2355 مليون دينار. أي أنها تحولت، بفعل السياسة الراهنة، إلى مموّل صاف للبنوك والمؤسسات المالية العالمية.

يختلف نقدنا لمؤسسات القطاع العام، في مضمونه وفي أهدافه، عن النقد الذي يوجهه الفكر الليبرالي لهذه المؤسسات والذي يسعى من خلاله إلى إخفاء مسؤولية النظام القائم في هذا الفشل، وإلى توفير غطاء أيديولوجي لتبرير استحواذ الرأسمال الخاص على أملاك الشعب وفتح مجالات جديدة للاستثمار والربح الرأسماليين ! فضلا عن اعتبار الليبراليون المحليّين الأملاك العمومية، ذخيرة ("تركة") يستغلونها لتخفيف حدة التوترات المالية، وفي مقدمتها خدمة الدين الخارجي.

عندما نتعرف على محصول 16 سنة من الخوصصة، أي بعد أن تم بيع جزء هام من المنشآت الاقتصادية العمومية[3]، فإننا نقف حائرين ! 1700 مليون دينار فقط ! أي ¾ ما تمثله خدمة الدّين الخارجي سنة 2002 ! هل هذا كل ما اكتنزه الشعب التونسي خلال نصف قرن من المجهودات والتضحيات وبعد تراكم جبل من الديون ؟

هل في الأمر سرّ ! من يصدق أن هذا هو الثمن الحقيقي لما يقارب 170 مؤسسة عمومية ؟ لسنا ساذجين لكي تقنعنا مثل هذه الأرقام... فنحن نعلم أنه لا خير يرجى من طرق تصرف وتنظيم، أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها لا تخضع لأي رقابة ديمقراطية فعلية.

أخيرا، علينا أن نؤكد حقيقية مفادها أن خسائر الخوصصة تتواصل بعد التفويت ! فقد بات من المتأكد اليوم، استنادا للأخبار المتناقلة عن التحركات الاجتماعية التي تشهدها العديد من المؤسسات المخوصصة، استمرار طرد آلاف الأجراء من العمل. وخاصة تزايد نسق ترحيل الأرباح إلى الخارج، ناهيك وأن 75 % من القيمة الإجمالية المعلنة للخوصصة تمّت لفائدة الرأسمال الأجنبي.

تُخضع العولمة الليبرالية، جميع جوانب الحياة، إلى مقتضيات الربح الأقصى الرأسمالي. وفي حين تدفع دائرتي الإنتاج والرواج العالميتين نحو الاندماج في مجال اقتصادي معولم، فهي تقصي أعداد، في ازدياد متواصل، من سكّان المعمورة من ثمار النموّ الاقتصادي، مُغذية بذلك الاستقطاب الاجتماعي ما بين جنوب فقير وشمال غني وداخل جميع الأقطار بين أغلبيّة من السكان المُفقرين (المَقصيّين) وقلة من الأثرياء (المُندمجين).

ويستوقفنا هنا، بطبيعة الحال، سؤال هام : ما هو تأثير هذه الظاهرة الكونية على المجتمع التونسي ؟ هل أن تونس، كما تدعيه الدوائر الرسمية، "واحة رفاه اجتماعي" أوشك الفقر أن يزول منها نهائيا بعد أن انخفضت نسبته[4]إلى أدنى مستوى يشهده التاريخ البشري : 4،3% ؟ لا ينقص هذه الصورة سوى الشمس والشاطئ والكثبان الرملية ليكتمل المشهد الجذاب الذي تُسوّقه وكالات السياحة !

قطعا ليست تونس بمنأى عن آثار العولمة المدمّرة، بعد أن أصبحنا من "أنجب التلاميذ" ("فئران المخابر") للمشعوذين النيو-ليبراليين من كل حدب وصوب... أليست تونس البلد الذي انخرط دون تحفظ في العولمية الليبرالية ؟ أليست أول بلد يوقع اتفاقا موغلا في الليبرالية مع الاتحاد ؟ فبأي حكمة وبفضل أي رعاية نستطيع نحن، من دون كافة الكائنات، تجنّب الانعكاسات الخطيرة للعولمة الرأسمالية التي لم يسلم منها حتى... البقر ؟

لقد تضاعف حجم الناتج المحلي الخام ("الكعكة")، خلال 20 سنة الأخيرة، ما لا يقل عن خمس مرات... لكننا، على عكس الفكر السائد، لا نقف عند هذا الحد. نحن نطرح السؤال الحاسم التالي : من المستفيد من هذا النمو ؟ تجيبنا الإحصائيات على النحو التالي : ارتفعت نسبة الأرباح، خلال نفس الفترة، بــ 71 نقطة (1983 = 100). وارتفع مؤشر الأجــر الحقيقي الوسطي بـــ 3.8 نقاط فقط ! لكن الأجر الأدنى الفلاحي خسر 5 نقاط في حين خسر الأجر الأدنى الصناعي 13 نقطة !

ثم وفي الوقت الذي تتعزز فيه حريات رأس المال، تتراجع حقوق العمل على جميع الجبهات. فبالإضافة إلى فقدان الأمن في الشغل جراء اعتماد استراتيجية مُرُونة التشغيل، يتسع مدى البطالة وأشكال نقص التشغيل والعمل بعقد محدد المدة مع بروز ظواهر سلبية أخرى لم تكن معروفة لدينا قبل 16 سنة، خاصة منها بطالة حاملي الشهادات الجامعية. إذا في الوقت الذي يستبد فيه الرأسمال بالأخضر واليابس يصبح العمل "قابلا للرّمْي" (Jetable    ) أكثر من أي وقت مضى.

ولا يقتصر هجوم النيو-ليبرالية ضد العمل على واجهة التشغيل بل يتعداها إلى كل ما له علاقة بتحديد الحصة الصافية للرأسمال وللعمل في الناتج المحلي. إذ يتجلى حيف السياسة الراهنة كذلك في ثقل حمل الجباية الملقى على كاهل الأجراء خاصة والشرائح الشعبية عامة (الأداء المباشر على الأجور، الأداء على القيمة المضافة، معلوم الاستهلاك...)

عندما نضع جنبا إلى جنب، تدهور المقدرة الشرائية وزوال الدعم العمومي لأسعار مواد الاستهلاك الأساسية (زوال الصندوق العام للتعويض) ومفعول الجباية المجحفة وتسليع الخدمات الاجتماعية (تعليم، صحة، نقل، سكن، اتصالات، كهرباء، ماء شراب...) وارتفاع البطالة ونقص التشغيل... فإن النتيجة الحتمية لكل ذلك إنما هو تقدم مسار التفقبر بشكل مفزع واتساع لا يقل خطورة لدائرة الفقر.

تشمل تأثيرات العولمة الرأسمالية الدائرة السياسية ويتجلى ذلك بالخصوص، في تفاقم الطابع القمعي للنظام القائم والذي يسقط بدوره تحت الرقابة المباشرة للرأسمال العالمي.

ختاما، تتسبب السياسة النيو-ليبرالية، على عكس ما يدعيه الفكر الرسمي، في مزيد إهدار الطاقات المنتجة للمجتمع وإضعافها بما يتعارض مع متطلبات النهوض الاقتصادي والاجتماعي في مواجهة تحديات العولمة الرأسمالية وضغوطها المتزايدة. فنحن نقع اليوم بين، ما يمكن أن نسميه، "فكي كماشة" دكتاتورية السوق من جهة ومقابلها السياسي من جهة ثانية.

وفي حين يزعم الفكر السائد أن حاضرنا هو مستقبلنا الوحيد الممكن، فإننا نؤكد أن تونس أفضل : اجتماعية وديمقراطية ومتضامنة ومزدهرة لممكنة، وأن المنتدى الاجتماعي التونسي هو إحدى الأطر النضالية لتحقيق ذلك     !

تونس 2003

فتحي الشامخي



[1]   دون احتساب 1755 مليون دينار التي توجهت لشراء المؤسسات العامة التي عرضتها الدولة للبيع عن طريق برنامج الخوصصة.

 [2]أي دون احتساب تسديد أصل الدين

[3]   خاصة بعد أن شرع في التفويت في وحدات اقتصادية من الحجم الكبير : 4 معامل إسمنت وعديد المعامل الأخرى –معمل السكر بجندوبة، معمل السيراميك...-، وعدد كبير من الفنادق الفاخرة –نزل دار ميدون ونزل أفريكا...-، والاتحاد الدولي للبنوك وغيرها...

 [4]من مجموع السكان

Publié dans DIKTATS

Commenter cet article