إن الحرّيّة تستحقّ أن نُجازف من أجلهما

Publié le par FATHI CHAMKHI

يقع العالم تحت هَيمنة نظام العولمة الليّبراليّة، ولمَا يُعرف باسم "توافق واشنطن". أي الزّعم أنّ اقتصاد السّوق، والتملك الخاصّ لثمار العمل، وقانُون الرّبح والمُنافسة المُعمّمة، هي الآليّات الوحيدة المُمكنة لتنظيم المُجتمع، وأنّه لا يُوجد بديل سياسي عن هَيمنة الدّول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وأن الليبراليّة الجديدة هي المستقبل الوحيد المُمكن أمام البشريّة.

إنّ حصيلة الحرب الشّاملة التي تخوضها القوى الإمبرياليّة يوميّا ضدّ فقراء العالم، هي عدد قليل من الرّابحين، وأغلبيّة من الخاسرين والمتضرّرين. كما تبلغ الكلفة البشريّة للفوضى العالميّة الرّاهنة مستوى غير مسبوق. فإذا ما قارنّاها مع حجم الخسائر في الأرواح الذّي تسبّب فيها تسونامي المحيط الهادي، باعتبار 1 تسونامي يساوي 250 ألف ضحيّة، فإن العولمة الليبراليّة تتسبّب في ما لا يقلّ عن 150 تسونامي. مع الملاحظ أنّه في الوقت الذي أحدثت فيه كارثة تسُونَامي الطبيعيّة هلعا عالميّا كبيرا، وكانت حافزا لموجة تعاطف وتضامن إنسانيّ عالمي عظيمة، يكاد الصّمت يخيّم على تسُونَامِيّات العولمة الليبراليّة.

وفي ظلّ هكذا شروط بادرت العديد من شعوب الجنوب، خلال عقد الثمانينات، باعتبارها المتضرّر الأساسي من هذه الرّأسماليّة المُتوحّشة، أي المتحرّرة من كلّ قيد، بالتمرّد وتنظيم الانتفاضات ضدّ سياسات العولمة الليبرالية، قبل أن تمتدّ حركة الرّفض إلى البلدان الصّناعية لتصبح حركة رفض عالميّة. ولقد مكّنت مُختلف هذه المعارك، على الرّغم من الهزائم العديدة التّي مُنيت بها وعُزلتها عن بعضها البعض، من المساهمة في تطوّر الوعي بطبيعة نظام العولمة الليبرالية باعتباره نظام الحرب الشّاملة ضدّ البشر والطّبيعة. كما تبلور، من خلال هذه السلسلة من المقاومات الاجتماعية، الوعي بترابط المستويات الجغراسياسيّة فيما بينها : من المحلّي إلى الوطني فالإقليمي ثمّ العالمي. ممّا ساهم في توسيع القاعدة الجغرافيّة والاجتماعيّة لحركة الرّفض الشّامل للحتميّته المزعومة لهذا النّظام السّلعي الذي يدّعي الكونيّة.

ولقد تجسّمت موجة التجذّر الاجتماعي الذي يشهدها العالم، منذ عدّة سنوات، خاصّة من خلال التعبئات الاجتماعيّة ضدّ قمَم الحكومات والمُؤسّسات الإمبرياليّة، والحملات العالميّة (المسيرة العالميّة للنّساء، من أجل إلغاء ديون العالم الثالث، ضدّ البطالة، ضدّ الحرب...)، وخاصّة المُنتديات الاجتماعيّة. وكنتيجة لذلك نعيش نشأة حركة نضاليّة جديدة على مستوى العالم، هي حركة العولمة البديلة. وهي وليدة أمل جديد شعاره "عالم أخر مُمكن". تمتدّ جذورها في تاريخ الحركة العمّاليّة، وحركات التحرّر الوطني، ومُناهضة الإمبرياليّة. وهي في نفس الوقت، حركة جديدة باعتبارها، أوّلا وبالذّات، حركة أجيال جديدة من المناضلات والمناضلين الشّباب، ونظرا كذلك لتنوّعها الإيديولوجي الكبير، ولأصالة أشكالها التّنظيميّة والنّضاليّة، والتّي يُعدّ المنتدى الاجتماعي أبرزها على الإطلاق.

ولئن لم تُحقّق حركة العولمة البديلة إلى حدّ الآن نتائج حاسمة، إلا أنّها تمكّنت على المستوى السّياسي من تحقيق كسب كبير، تمثّل في كسر هيمنة الفكر الواحد على المستوى الوطني، وكسر "توافق واشنطن" على المستوى العالمي، وبلورة "توافق بورتو أليغري" الاجتماعي الذّي تمخّض عن تجربة المنتديات الاجتماعيّة.

هكذا أمام عولمة السّوق تنتصب عولمة المقاومة الاجتماعية التي يمثّل المنتدى الاجتماعي العالمي عنوانها المشترك. ومجال التقارب والتلاقي وتضافر حركات اجتماعية من الجنوب ومن الشمال، ولحظة التقاءها. إنّه بحقّ موعد الالتقاء الاجتماعي الأكبر والأضخم في العالم. ولقد انتشرت ظاهرة المنتديات الاجتماعية عبر العالم، في مدّة زمنية وجيزة، لم تتعد الخمس سنوات. ويعود النّجاح الكبير الذي حققته، إلى انفتاحها السّياسي الواسع، وتنوّع تمثيليّتها الاجتماعيّة والأيديولوجيّة والثقافيّة، وثراء مُحتواها النّضالي، وكذلك للأولوية التي تُسندها إلى الحركات الاجتماعية على حساب الأحزاب السياسيّة.

ولا يشترط المنتدى الاجتماعي التزاما خاصّا من طرف المشاركين فيه، عدى موافقتهم على ميثاق المبادئ الذي يتضمّن بالأساس مناهضة العولمة الليبراليّة. ويُكوّن المنتدى الاجتماعي العالمي عدد كبير من الحركات الشبابيّة والنقابيّة، وحركات المزارعين والمستهلكين، وحركات "البِدُونْ" (بدون عمل، بدون مسكن، بدون حقوق...)، والحركات البيئيّة والنسوية، وحركات الدّفاع عن حقوق الإنسان والجمعيّات الثقافيّة وجمعيّات التضامن الدولي... وهي مستقلة عن بعضها البعض ولكنّها متكاملة ومتّصلة عن طريق شبكات عديدة وهي تلتقي ماديّا بمناسبة "المواعيد الكبرى" التي هي المنتديات الاجتماعية، خاصّة المنتدى الاجتماعي العالمي. كما تتميّز المنتديات الاجتماعية بثرائها الإيديولوجي الكبير والنّابع من تنوّع الحركات والمواضيع المكوّنة لها.

ما هو موقعنا نحن من موجة التجذّر الاجتماعي العالميّة ؟ تتميّز القوى الاجتماعية بالمنطقة العربية، بصفة عامّة، بضُعفها وبتشتّتها وبقلّة ارتباطها بحركة العولمة البديلة. ويعدّ ذلك، في حدّ ذاته، مفارقة كبيرة، بالنّظر إلى الطّاقات النّضاليّة الكامنة بالمنطقة من جهة، وإلى وحشيّة اعتداءات العولمة الليبراليّة بها، من جهة ثانية، ممّا جعلها تصبح منطقة الأعاصير الحديثة. وهي بذلك تقع في قلب العولمة الليبراليّة، ولكنّها في المقابل تُوجد خارج دائرة العولمة البديلة !

وليست أوضاعنا في تونس بأحسن حالا. فقد مرّت الآن سنتان، منذ أن أطلقت عديد الأطراف الاجتماعية مشروع منتدى اجتماعي، لكن دون التقدّم بشكل حاسم نحو إنجازه، لعدّة أسباب لا يسعُنا المجال هنا لشرحها. لكنّ ما تجدر الإشارة إليه من جديد هو الصّعود المُتنامي لحركة العولمة البديلة. وهو واقع علينا أن نضعه نُصب أعيننا، وأن نُدرجه ضمن خططنا النضاليّة. إنّ محاولة الإفلات من قبضة دكتاتورية السّوق من جهة واستبداد السّلطة من جهة ثانية، لا يُمكن أن يُكتب لها النّجاح، في ظلّ الشّروط الرّاهنة، من دُون تحقيق التحام فعّال بحركة العولمة البديلة. ولتحقيق ذلك علينا أن نجدّد ثقتنا في قدراتنا النضاليّة، وأن نتحلّى بروح الابتكار والمُبادرة، وأنّ نتقدّم بخطوات ثابتة وسريعة نحو المنتدى الاجتماعي التّونسي. إن الحرّيّة تستحقّ أن نُجازف من أجلهما !

سبتمبر 2005

فتحي الشامخي

Publié dans DEMOCRATIE

Commenter cet article