التشغيل في تونس. قطاع منكوب.

Publié le par FATHI CHAMKHI

يحتلّ الشّغل صدارة أولويّات التونسيّات والتّونسيين واهتماماتهم، لذلك نودّ تقديم هذه المعطيات مساهمة منّا في إنارة الرّأي العامّ...

§         أصبحت تونس، بسبب السّياسة الرّأسماليّة اللّيبراليّة التّي تتّبعها حكومتها منذ 1987، بطلة في مجالي البطالة واستخدام العمالة المحدود، حيث أبرز التقرير الأخير للمعهد الوطني للإحصاء[1] أن نسبة البطالة الرّسميّة قد بلغت 14,2    %     سنة 2008. أي أنّ أكثر من نصف مليون شخص هم محرومون من العمل وبالتالي من الدّخل...

عندما نقارن هذه النّسبة بمعدّل البطالة على المستوى العالمي، الذّي بلغ 6    %     خلال نفس السّنة، حسب مكتب الشغل الدّولي، أو عندما نقارنه بمعدّل البطالة في قارة أفريقيا الذّي هو 10,3    %    ، حسب نفس المصدر، فإنّ نسبة البطالة في تونس تبدو لنا مرتفعة للغاية. كما تجدر الملاحظة أنّه خلال 22 سنة الأخيرة لم يسجّل أيّ تحسّن على هذا المستوى. بل العكس هو الصحيح، حيث يفصح التطوّر اللافت للبطالة المقنّعة عن مزيد تدهور أوضاع سوق الشّغل التونسيّة.

§         لا يصدر المعهد الوطني للإحصاء إحصائيّات حول استخدام العمالة المحدود لكن بإمكاننا، رغما عن ذلك، تقدير نسبته. يتعلقّ الأمر خاصّة بالقطاع غير المهيكل (755 ألف شخص سنة 2002[2])، والعمّال الموسميّين، أي الذين يعملون أقلّ من ستة أشهر خلال السّنة (أكثر من 300 ألف شخص)، والعمّال الذين يكابدون عمل جزئي (530 ألف شخص سنة 1999، وهي آخر الأرقام المتوفرة). وتمثل الأصناف الثلاثة على التّوالي : 26,2  % و 10% و 16,7% من إجمالي الشغل بالبلاد.

في هذا الصّدد، أبرزت دراسة للبنك العالمي[3] أنّ عدد العاملين بوقت جزئي غير مرغوب فيه قد بلغ 600 ألف فيما بلغ عدد العاملين بصفة موسميّة 550 سنة 2000 أي ما يساوي 42,2% من مجموع الشّغل.

ثمّ العمل بعقد محدّد المدّة الذي ينمو بسرعة كبيرة والذي يمثّل على سبيل المثال 41% من عقود العمل في قطاع النسيج والملابس، و 58% في قطاع النّزل سنة 2007[4]. كما نذكر بالإضافة إلى ذلك البطالة المقنّعة التّي تتمثّل بالخصوص في المنتفعين ببرامج تشجيع التشغيل والذين بلغ عددهم 200 ألف سنة 2007، أي 6,5% من الشغل العامّ في البلاد.

أخيرا، لا تتعرّض الإحصائيّات المتوفرة إلى عدد وفير من النّاشطين العاملين في وضعيّات هشّة (المقاولة السّاندة، 'العاطلين اليائسين' أولئك الذين توقفوا عن البحث عن عمل...). ومع ذلك فإنّ الاستنتاج الذي نصل إليه معبّر بما فيه الكفاية حيث أنّه وبالإضافة إلى البطالة المرئيّة التّي تطال 14,2% من النّاشطين، فإنّ استخدام العمالة المحدود يصيب ممّا لا ريب فيه ما يزيد عن 60% من مجموع الناشطين المشتغلين. بعبارة أخرى، فإنّ أكثر من 2,5 مليون ناشط معطلون عن العمل أو أنّهم يكابدون، ولو بدرجات متفاوتة، شغل غير مأمون وغير ثابت.

§        تقع النّساء بشكل متزايد في الخطوط الأماميّة للبطالة وعدم الاستقرار المسلط أثناء الشغل. ففي سنة 2008 بلغت نسبة البطالة في صفوفهنّ نسبة 18,6% مقابل نسبة بطالة 12,6% في صفوف الرّجال. أمّا في منتصف الثمانينات فإنّ الوضع كان مغايرا تماما حيث كانت نسبة البطالة لدى الرّجال 13,7% وكانت تفوق نسبة بطالة النّساء التّي لم تتجاوز آنذاك 11%.

ويزداد هذا التطوّر اللافت للطابع التمييزي للتشغيل، على مستوى النّوع، جلاء بقدر ما هو يتباين مع نسبة تشغيل لدى النّساء ظلت مُنخفضة للغاية خلال العشرين سنة الأخيرة، حيث لا تباشر اليوم العمل سوى امرأة واحدة في سنّ الشغل من مجموع خمسة !

§       كما تطال البطالة واستخدام العمالة المحدود الشّباب إذ تبلغ نسبة البطالة لدى الناشطين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و 24 سنة نسبة 38,3% سنة 2008. كما أنّ 85% من المعطلين عن العمل لم تتجاوز أعمارهم 35 سنة.

§       أمّا الأخطر من ذلك فهي ظاهرة انتشار البطالة في صفوف النّاشطين المتعلمين. فعندما نقارن نسب البطالة لدى كلّ من الناشطين الأميين والناشطين الحائزين على تكوين جامعي ما بين سنة 1984 و 2008 فإنّنا نلاحظ أن نسبة البطالة لدى الأميين قد انخفضت بشكل ملموس من 15,2% إلى 4،4% بينما ارتفعت نسبة البطالة في صفوف خرّجي الجامعة من 2,3% إلى 24,5%. علما بأنّ أكثر من ربع السكان في سنّ العمل (15 سنة فما فوق) هم من الأميين[5]. أي أنّنا اليوم أمام الوضعيّة الغريبة التّالية وهي أنّه بقدر ما يرتفع مستوى التعليم لدى طالب الشغل ترتفع إمكانيّة بقاءه عاطلا عن العمل !

ثمّ إنّ الأمر الآخر اللافت في هذا الصّدد يتمثل في التّصاعد الخطير للبطالة في صفوف الحاصلين على شهادة جامعيّة والذين لم يتجاوز عددهم 1600 حالة سنة 1984 بينما ارتفع هذا العدد إلى 113 ألف سنة 2008. و بشكل خاص منذ سنة 2004، حيث تضاعف عددهم، خلال هذه المدّة القصيرة، ثلاثة مرّات. إنّ هذه الظاهرة الجديدة بصدد التحوّل الآن إلى بطالة ذات طابع هيكلي وهو ما من شأنه أن يزيد في تعقيد مكافحة ظاهرة البطالة بشكل عامّ، ومعالجتها على المدى القصير بشكل خاصّ.

§       يبرز التمييز على مستوى التشغيل كذلك على المستوى الإقليمي. ذلك أنّ ستّ ولايات تعدّ منكوبة حقا حيث تبلغ نسبة البطالة لديها مستوى مأسوي بلغ 20,1% في ولاية قفصة و21,1% في ولاية قابس و22,5 في ولاية القصرين و24% في ولاية سليانة و24,1 في ولاية جندوبة وأخيرا 26,1% في ولاية توزر.

بالإضافة إلى كلّ ذلك، يصبح الحصول على شغل، في ما لا يقلّ عن 16 ولاية، بالنّسبة للفتاة الحائزة شهادة جامعيّة أمرا صعبا للغاية. ففي ولاية قفصة تبلغ ذروة البطالة، لدى هذا الصّنف من طالبي الشغل، نسبة 50% !

علينا أن نسميّ القط قطا : توجد فعلا أزمة تشغيل خطيرة في تونس. إنّنا نعني بقولنا هذا، مستوى تشغيل ضعيف، ونسبة بطالة 'نمطيّة' مرتفعة ومستمرّة في آن، وضعف استخدام العمالة بوصفه الشكل السّائد لتوظيف قوى العمل. وهذه الأزمة هي إلى حدّ كبير تعبير عن نقائص سيرورة التّنمية أكثر منه نتيجة ضعف النموّ الاقتصادي.

يتعلق الأمر أساسا بعدم التلاؤم ما بين التحوّلات الديمغرافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة النّاجمة عن استمرار التحوّل الرّأسمالي للاقتصاد، من ناحية، وطبيعة نظام التراكم الرّأسمالي، من ناحية أخرى.

إنّ دمقرطة التعليم، وتحرير المرأة، والتحضّر، واتساع دائرة العمل المأجور وتحسين الكفاءة الفنيّة ومستوى تعليم قوى العمل، خاصّة، هي كلها أوجه سيرورة التحديث تلك ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال اعتبارها مسؤولة عن أزمة التشغيل. يجب بالأحرى مساءلة الاقتصادي، الذي يمسك في الوقت الحاضر بزمام الأمور، ومساءلة السّياسي الذي يطيعه ويخدمه، وليس الاجتماعي، حول فشل سوق الشغل.

يفرض النّظام الرّأسمالي قانونه ومنطقه ومصالحه الخاصّة. كما ينزع الرّأسمال إلى تملك ثمار المجهود الجماعي، فيما يتحمّل المجتمع الخسائر الملازمة لنشاطه. ليس للعمّال أيّة مسؤوليّة في إدارة النظام الرّأسمالي كما أنّهم لا يتحمّلون مسؤوليّة فشله، وبالتّالي ليس لهم أن يدفعوا ثمن ما ينجرّ عنه من أخطاء.

ليست البطالة واستخدام العمالة المحدود قضاء وقدر مبرمين. إنّ الحلول متوفّرة، ولكي تصبح ممكنه علينا القطع مع منطق الرّبح السّائد اليوم، لجعل المصالح والحاجيات الاجتماعيّة في قيادة الاقتصاد. إنّ تونس في حاجة ماسّة إذا إلى إستراتيجية تماسك اجتماعي وجهوي وتعاون إقليمي (مغاربيّة بالأساس) شاملة، كما هي في حاجة إلى نمط جديد ومستديم للإنتاج والاستهلاك ولاقتسام ثمار التنمية.

تتجاوز معضلة التشغيل، كما سبق وذكرنا، حدود سوق الشغل وسياسة الدّولة. ممّا يتطلب، على سبيل المثال، إعادة تحديد دور الدّولة الذي يجب أن يتمفصل حول ثلاثة محاور متكاملة : الضبط والتعديل (إقرار القواعد والأهداف، وكذلك كافة أنشطة التربية العموميّة). ثمّ الجباية وأخيرا الاستثمار في البحث العلمي وتجهيزات البينة الأساسيّة ونقل التكنولوجيا والخدمات الاجتماعيّة...

يمكن، في الحال، اتخاذ بعض التدابير الانتقاليّة الممكنة على غرار : توظيف على نطاق واسع في صلب المصالح العموميّة (خاصّة : التعليم، والصحّة، والنّقل، والثقافة، والخدمات لفائدة المسنّين، والخدمات التّي لها صلة بالمحافظة على المحيط الطبيعي...) وذلك بهدف ضمان خدمات عموميّة ذات جودة عالية وفي متناول الجميع، ضمان أجور لائقة تكفل العيش الكريم وليس أجورا للبقاء على قيد الحياة، التخفيض في مدّة العمل (بدءا بحذف نظام 48 ساعة أسبوعيّة)، التخفيض في سنّ التقاعد، تخفيف عبء الجباية المسلطة على الوحدات الإنتاجية والخدماتيّة الصغيرة...

هكذا يتضح لنا أنّ أوضاع التشغيل في تونس لا تبعث إطلاقا على الارتياح حيث أنّ مردود سوق العمل ما انفكّ يسير من سيء إلى أسوأ، فيما يتأكّد فشل سياسة الدّولة في تحسين فاعليتها لعكس هذا المسار.

بالإضافة إلى ذلك، نسجّل في الفترة الأخيرة تفاقم المخاطر المخيّمة على التشغيل نتيجة دخول الاقتصاد المحلي في دوّامة الأزمة الاقتصاديّة العالميّة حيث سجّل إنتاجه تراجعا بنسبة 2% خلال الثلاثة الأشهر الأولي لهذه السّنة.

في المقابل، لم تضع الحكومة، إلى حدّ كتابة هذه السّطور، على حدّ علمنا، أيّة خطة طوارئ اجتماعيّة لمجابهة الوضع وجبر الأضرار النّاجمة عن الأزمة بما في ذلك ضمان تعويض مالي للعاملات والعمّال ممّن فقدوا مورد رزقهم، يكفل لهم مستلزمات حياتهم ويصون كرامتهم، بينما نراها تنفق دون حساب لغوث رأس المال...

فتحي الشامخي

سبتمبر 2009



[1]INS, Premiers résultats de l'enquête nationale sur la population et l’emploi – 2008’, Tunis, septembre 2009

[2]INS, Le secteur des micro-entreprises en Tunisie. Analyse des résultats de l’enquête nationale sur les activités économiques des micro-entreprises de 2002’

[3]Banque Mondiale, ‘République tunisienne. Revue des politiques de développement. Tirer parti de l’intégration commerciale pour stimuler la croissance et l’emploi’, Washington DC., 2004

[4]Observatoire National de l’Emploi et des Qualifications, Statistiques de l’emploi 2007, Tunis, ONEQ, décembre 2007, 38 pages

[5]PNUD, ‘Rapport sur le développement humain arabe en 2009’, New York, 2009. http://www.arab-hdr.org/arabic/contents/index.aspx?rid=5

Publié dans EMPLOI

Commenter cet article