المتوسط بحر الحقوق

Publié le par FATHI CHAMKHI

انتظمت بمدينة برشلونة الإسبانية، من 16 إلى 19 جوان الجاري، الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي، بمشاركة زهاء 1500 مناضلة ومناضل جاءوا من مختلف الأقطار المطلة على المتوسط وكذلك من النيجر ومالي والكنغو وبلجيكا... والبرازيل وكندا والولايات المتحدة... ولقد لفت حجم الوفدين المغربي (أكثر من 100 شخص) والفلسطيني (80 شخصا) انتباه المشاركين. أما المشاركة التونسية فكانت متواضعة نسبيا (حوالي 30 شخصا، ثلثهم من الهجرة)، ولكن هذا الضعف العددي لم يمنع التونسيات والتونسيين من المساهمة النشطة في مختلف فعاليات المنتدى.

ليس المنتدى الاجتماعي المتوسطي منتدى كسائر المنتديات الاجتماعية القاريّة الأخرى، حيث تكمن أصالته في كونه الأول، بهذا الحجم الهامّ، الذي يتنزل في مجال تتلاقى فيه ثلاث قارات، تتفاوت فيه أوضاع السكان ودرجة تقدم كل قطر بشكل حادّ. كما يعدّ المجال المتوسطي مسرحا أساسيّا لسياسات نيوليبرالية مؤذية على أكثر من صعيد وبخاصة على المستويين الاجتماعي والبيئي. ويبرز المفعول المدمر لهذه السياسات، بشكل خاص، في بلدان الجنوب بسبب الأطماع الإمبريالية المتعاظمة التي تدعم، في الوقت ذاته، علاقات الهيمنة والتبعية بين الشمال والجنوب.

ففي الوقت الذي تتقدم فيه السياسة الاستعمارية الأوروبية الجديدة بثبات على الشريط الجنوبي لضفاف المتوسط في إطار مشروع الشراكة الأورومتوسطية، تسعى الإمبريالية الأمريكية بدورها، من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير، إلى تدعيم حضورها العسكري والاقتصادي في هذا المجال الجيوستراتيجي الهامّ، الذي تتنافس فيه على دور الزعامة مع الإمبريالية الأوروبية.

وفي الوقت الذي ما انفكت المفوضية الأوروبية، راعية المصالح الاستعمارية للرأسمال الأوروبي، تزعم أنها تسعي، من خلال استراتيجية الشراكة الأورومتوسطية، إلى تأسيس "فضاء للسلام والاستقرار" في المتوسط، وإقامة "ازدهار مشترك"، وتحقيق "التقارب بين الشعوب"، كان تطبيق الشراكة المزعومة، يتسبب في تدمير النسيج الاقتصادي للمؤسسات الصغرى في بلدان الجنوب، وفي انهيار موارد دولها، وفي خوصصة الصحّة والتعليم، وفي تنامي البطالة وتعمّق الفوارق الاجتماعية، وفي تغلغل المصالح الرأسمالية الاستعمارية في اقتصادياتها... وبالتالي فإنّ أوروبا لم تجعل من المتوسط فضاء للازدهار كما وقع الإعلان عن ذلك في ندوة برشلونة سنة 1995، ولا هي ساهمت في تحسين الأوضاع الاجتماعية للغالبية الساحقة لسكان الجنوب، ولا هي سعت لنشر الحرية والسلام والأمن في المنطقة.

ويترتب عن امتداد المصالح الإمبريالية وتغلغلها الكبير في المنطقة، تنوع التحديات السياسيّة والاجتماعية والعراقيل التي تقف في وجه الحركات الاجتماعية، والنقابات العمالية وحركات العولمة البديلة في المتوسط. ولقد كان لهذا الواقع المعقد والمركّب تأثيره الحاسم في تحديد نسق تحضير الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي، ومن ثمة محتواها وحجمها النهائي. فبعد أن استمر الإعداد لهذه الدورة ما لا يقل عن السنتين، انعقدت في ظل غياب شبه كلّي لحركات اجتماعية ذات وزن في المتوسط على غرار الحركة الاجتماعية الفرنسيّة، وفي ظل مشاركة مصرية وجزائرية ولبنانية ضعيفة للغاية من الناحية العربية.

وفي مواجهة هذه السياسة الاستعمارية المعادية للمصالح الحيوية لكافة شعوب المنطقة رفعت الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي المتوسطي شعار "المتوسط بحر الحقوق". ولمحاولة التقدم نحو تجسيم هذا الحلم تمفصلت أشغاله حول تسعة محاور أساسية : الديمقراطية والمواطنة والحقوق الإنسانية للرجال والنساء، والحقوق السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأنماط التنمية، والنزاعات والاحتلالات العسكرية والعسكرية والسلام ("جدار الأبرتايد في فلسطين"), والهجرات، والتنوع الثقافي والحوار عبر ثقافي، وأنماط التنمية والاستدامة البيئية، والنساء في المتوسط، وفضاء التبادل الحر، والسيادة الغذائية. كما تم تنظيم ما لا يقل عن 300 فضاء حوار وتبادل التجارب والبحث عن البدائل وعقد جلسة عامة للنساء وجلسة عامّة أخرى للحركات الاجتماعية. وقد اختتم المنتدى الاجتماعي أعماله بتنظيم مسيرة ضد الحرب.

ولم تكن هذه الدورة الأولى عموما في مستوى ما تتطلبه مقاومة الاستعمار الجديد من تجنّد واسع لكافة القوى الديمقراطية والتقدميّة، خاصة بالجزء الجنوبي للمتوسط،، حيث لم تحقق سوى تعبئة محدودة للقوى الاجتماعية المناهضة للعولمة الرأسمالية ببعديها الاقتصادي والعسكري، وبالتالي لم تفلح في البروز كقطب اجتماعي بديل، قادر على التأثير في العلاقات الاجتماعية في المتوسط في المدى المنظور، كما لم تخلو كافة مراحل إعداد هذه الدورة الأولى من النقائص وحتى الأخطاء الكثيرة والمتنوعة. لكن أليس هذا أمرا متوقعا في منطقة تعدّ اليوم بدون منازع "منطقة الأعاصير" في النظام العالمي الجديد ؟ ألا يعدّ عقد الدورة الأولى للمنتدى الاجتماعي، في حدّ ذاته، حدثا اجتماعيا بالغ الأهمية، بالنظر إلى تعدد العراقيل والصعوبات وتنوعها، وكثرة المتربصين بالمنتدى الاجتماعي والساقطين في دائرة نفوذ المصالح الاستعمارية ؟ ألا يحقّ لنا نحن، في المنطقة العربية على وجه التحديد، أن نتفاؤل بهذه الخطوة النضالية الأصيلة، في الوقت الذي تكاد فيه كافة التعبيرات الاجتماعية والسياسية المستقلة تستسلم إلى مشيئة الاستعمار الجديد وحتمية العولمة الرأسمالية المزعومة ؟

إن المعنى السياسي والاجتماعي الأساسي الذي نستخلصه من هذه الدورة الأولى هو، أولا وبالذات، أن الحركات الاجتماعية المناهضة للاستعمار في المتوسط قد نجحت، لأول مرّة في تاريخ المنطقة، في الالتقاء حول مشروع اجتماعي مشترك، نحو متوسط متعاون ومتضامن ومتآخ. إننا لا زلنا في بداية الطريق... ولكن الأهم الآن هو أننا بدأنا نسلك الطريق الصحيح !

جوان 2005

فتحي الشامخي

ناطق باسم "رَادْ أتَاكْ تونس"

Publié dans ALTERMONDIALISME

Commenter cet article