كيف نخرج من نفق البطالة ؟

Publié le par FATHI CHAMKHI

تعُدّ القوّة العاملة التونسيّة أكثر من 3.3 مليون ناشط حسب التعداد العامّ للسكان والسكنى لسنة 2004. وتمثل النساء ربع عدد المشتغلين، ويبلغ الوزن الديمغرافي للقوّة العاملة ثلث إجمالي السكان، وأقل من 46% من السكان البالغين سنّ العمل (15 سنة فما فوق). وتنقسم القوّة العاملة إلىمشتغلين وعاطلين.

تجاوز عدد المشتغلين 2.8 مليون مشتغل سنة 2004 مقابل 2.3 مليون سنة 1994. أي أنّ الاقتصاد مكّن من إحداث مواطن الشغل بمعدّل 53.4 ألف شغل جديد في السّنة. مع الملاحظ أنّ هذا المردود التشغيلي لم يتحسّن منذ عشرين سنة، لذلك ظل أقلّ من تزايد الطلب على الشغل، الذي ارتفع من معدّل 57 ألف طلب شغل إضافي في السّنة ما بين 1984 و 1994، إلى أكثر من 80 ألف في المدّة الأخيرة. وقد أدّى ذلك إلى ارتفاع عدد "المكرهين على البطالة" أي من هم بصدد البحث النشط عن شغل لكن دون جدوى.

ويذكر تعداد سنة 2004 أنّ حوالي 433 ألف تونسيّة وتونسي (ما بين 18 و 59 سنة)، أي أنّ ما يمثل 13.9     %     من إجمالي القوّة العاملة، هم محرومون من حقّهم في الشغل. كما تشير نتائج التعداد إلى الانخفاض النسبي لمعدّل البطالة بـ 1.9 نقطة قياسا بمستوى 1999، وكذلك انخفاض عدد العاطلين عن العمل بحوالي 25 ألف مقارنة بحجم البطالة سنة 2002.

إن المتأمّل في أرقام البطالة تسترعي اهتمامه، بالإضافة إلى حجمها المرتفع، المسائل التالية :

·      تمثل النساء ثلث العاطلين عن العمل، في حين لا يمثلن سوى ربع القوّة العاملة. لذلك تفوق نسبة البطالة في صفوفهنّ (16.7    %    ) المستوى المسجّل لدى الرجال (12.9    %    ).

·      في نفس الوقت لا يتعدّى عُمر ثلاثة أرباع المعطلين عن العمل 29 سنة.

·      كما تجاوزت نسبة البطالة في صفوف المحرزين على مستوى تعليم عال 10   % مقابل 1% سنة 1984. ممّا تسبّب في ارتفاع عدد المعطلين عن العمل الذين زاولوا الدراسة بالجامعة بما فيهم المتخرّجين، إلى حدود 41 ألف سنة 1994. علما بأنّ هذا العدد رغم ضخامته، لا يبدو سوى الجزء البارز من جبل الجليد.

·     إضافة إلى كلّ ذلك، تفوق نسب البطالة في الولايات الدّاخليّة بكثير ما تسجله الولايات الساحليّة، من ذلك أن نسبة البطالة في ولاية الكاف تبلغ 22%، وتصل هذه النسبة في ولايات زغوان وقفصة والقصرين وجندوبة إلى 21%.

·     أخيرا، لا تشير نتائج التعداد المنشورة إلى الأصل الاجتماعي للمعطلين عن العمل، كما لا تصنفهم حسب أحياء السكنى. لذلك لا يتسنّى لنا معرفة نسبة البطالة في صفوف بنات العمّال وأبنائهم والفقراء عموما، ومستوى البطالة في الأحياء الشعبيّة. علما بأنّ المعلومات التي يتمّ جمعها أثناء التعداد تُمكّن من معرفة ذلك وأشياء أخرى كثيرة. لكنّ الدّوائر المُتحكّمة ترى أنّه من الأفيد لنا إعلامنا مثلا بعدد الأيام الممطرة في السّنة، أو توزيع الصيدليّات حسب الولاية، أو عدد المسافرين في جولات بحريّة، أو الذبائح المراقبة في جميع البلديّات...

ما هي إذا حقيقة البطالة في تونس اليوم ؟ هل نصدّق الأرقام الرسميّة التي تزعم تحسّن أوضاع التشغيل خلال السنوات الأخيرة ؟ أم على العكس هل نشاطر الرأي الذي يدّعي أن الوضع قد زاد سوءا ؟

ليس من الغريب أن تسعى السلطة القائمة إلى تقديم كشف حساب إيجابي حول مستوى التشغيل العامّ بالبلاد، وهي التي ما انفكت تعلن عن عزمها على العمل من أجل تحسين مستوى التشغيل : "يمثل خلق مواطن الشغل وامتصاص البطالة أولى أولويّات عمل السلطات العموميّة" (تقرير البنك المركزي لسنة 2001. الطبعة الفرنسيّة ص 97). ولكن لا يفيدنا إعلان النّوايا في شيء، وإنّما العبرة بالأفعال، والاحتكام إلى النتائج.

لقد توخّت السّلطة القائمة منذ بداية السّبعينات سياسة خاصّة بالتشغيل، وهي التي تعلم ما لقضيّة التشغيل من تأثير على استقرار الأوضاع بالبلاد، وعلى الحفاظ على السّلم الاجتماعيّة. لكن على الرغم من السّنوات الطويلة والآليّات المتعدّدة والكلفة الماليّة الهامّة التي بلغت نسبتها في السّنين الأخيرة 1.5% من إجمالي الناتج المحلي، فإن عروض الشغل ظلت دون مستوى الطلب، ممّا يزيد في تردّي أوضاع التشغيل. وماانفكت سياسة التشغيل المعتمدة تحاول تطويق آفة البطالة في حين أن المطلوب هو القضاء عليها.

ليس بإمكاننا أن نحدّد المستوى التشغيلي والنسبة الحقيقيّة للبطالة في البلاد، فذلك يتطلب إمكانيّات مادّيّة كبيرة، كما يشترط ضمان حرّيّة البحث العلمي. لكن بإمكاننا، استنادا إلى جملة من المعطيات والظواهر التي تقرّ بها كافة الأطراف، الإقرار بتدهور مستوى التشغيل العامّ في تونس واستفحال البطالة، ويمكننا أن نذكر منها المسائل التالية :

·     يتسبّب خضوع تونس المتواصل منذ عشرين سنة لسياسة إعادة الهيكلة الليبراليّة ولسياسة التقشف في المصاريف الاجتماعيّة العموميّة في تدمير الشغل على نطاق واسع.

·     لا أحد ينكر أهميّة النموّ الاقتصادي بالنسبة للتشغيل. لذلك لا غرابة أن يُراهن المخطط العاشر على الزّيادة في نسبة النموّ إلى مستوى 6,2 % كشرط لتحسين مستوى التشغيل. فيما ذهب البنك العالمي إلى أبعد من ذلك، حيث أكّد أنه " يبدو من الصعب، في الظرف الاقتصادي الراهن، توقع بلوغ أهداف المخطط العاشر المتعلقة بالتشغيل... ومن المفروض أن ترتفع نسبة النموّ بقدر هامّ (حوالي 10 % في السنة، مقابل 6,2 % المتوقعة حاليّا) وذلك بغية خلق قدر كاف من مواطن الشغل لاستيعاب السكان النشيطين الذين ما انفك عددهم يتزايد".(تقرير رقم 25456 ماي 2004، والتقرير رقم 29847 أكتوبر 2004) لكن ما عسى أن تكون الانعكاسات على أوضاع التشغيل عندما تكون نسبة النموّ التي تحقّقت فعلا أقلّ من توقعات المخطط العاشر بكثير ؟!!

·     ثم، وبالإضافة إلى عدم بلوغ معدل النموّ الاقتصادي المؤمّل، برز في السّنين الأخيرة، جرّاء سياسة إعادة الهيكلة الليبراليّة للاقتصاد، عامل آخر غير مناسب يتعلق بما يسمّي "المحتوى التشغيلي للنموّ" (أو المردود التشغيلي للنموّ الاقتصادي). وفي هذا الصدد أيضا يذكر التقريران المشار إليهما، أنّ "انخفاض المحتوى التشغيلي للنموّ الاقتصادي، خاصّة في القطاعات غير الفلاحيّة من بين الأسباب التي تفسّر المستوى المرتفع للبطالة". أو بعبارة أخرى: " عندما تنفتح الأسواق، فإن إعادة الهيكلة تتسبب عامّة في تدمير الشغل قبل أن تخلق، في وقت لاحق، مواطن شغل جديدة. وبالتالي فإن النتيجة، على المدى القريب على الأقل، هي ارتفاع معدلات البطالة". (نفس المرجع)

·     ثمّ لا ننسى التطوّر المشهود لما يسمّى بالأنشطة غير المهيكلة التي تتضمّن أشكالا لا حصر لها ولا عدّ من النشاطات الاقتصاديّة التي ينتمي جزء كبير منها إلى الأشكال العديدة للبطالة المقنعة والتشغيل الجزئي والظرفي والعرضي... وهي أنشطة تدخل في إطار الاستراتيجيّات الشعبيّة من أجل تحقيق الشغل الذاتي لضمان حدّ أدنى من الدّخل. ويعدّ تطوّر هذه الأنشطة في حدّ ذاته دليلا على فشل سياسة التشغيل في تفادي استفحال البطالة في البلاد.

·     كما يفصح تطوّر البطالة في صفوف شرائح اجتماعيّة كانت بالأمس تتمتع بحقّ الشغل، ونعني هنا خرّيجي التعليم العالي عن مدى تدهور أوضاع سوق الشّغل. هكذا أصبح النّجاح في الدّراسة وإحراز التفوّق جسرا للعبور إلى البطالة. وتُدعّم الاعتقاد ذاته تنامي ظاهرة "الحرقة" التي أصبحت الملاذ الأخير لعشرات الآلاف من الشّباب التّونسي.

هل أنّ البطالة قدر مُبرم أم هي نتيجة خيارات اقتصاديّة واجتماعيّة محدّدة ؟ وهل بالإمكان أفضل ممّا كان وكيف ؟

يزعم الفكر السّائد أن نظام دكتاتوريّة السّوق قضاء مُبين. وليست هذه هي المرّة الأولى التي يدّعي فيها غلاة الرأسماليّة أن نظامهم فوق قوانين التاريخ، وأنّ الحاضر هو المستقبل الوحيد الممكن. إن تاريخ الرأسماليّة مليء بالأحداث التي ما انفكت تسفّه ادّعاءاتهم. علينا فقط أن نتذكر انهيار البورصة سنة 1929، أو الحرب العالميّة الثانية، أو غيرها من الأزمات التي تعبّر عن التناقضات التي كانت ولا تزال تهزّ أركان النظام الرأسمالي العالمي. كما يبدو اليوم احتداد التفاوتات، ما بين الشمال والجنوب، بعد أن بدّدت العولمة الليبراليّة أوهام التنمية، أفضل دليل على صحّة ما نقوله. إنّ النّظام الرّأسمالي يُبرهن من خلال ذلك عن عجزه المتأصّل على تقديم الإجابات التي يتطلبها ضمان حاضر آمن للبشريّة جمعاء، ومُستقبل مُستديم للأجيال القادمة وللطبيعة.

نشأ النظام العالمي الجديد، منذ ما يزيد عن ربع قرن، على أنقاض كافة أشكال الوفاق الاجتماعي القائمة. وما من شكّ في كون المنطق الرّأسمالي الليبرالي الذي يسود العالم وسياسات الحكومات الرّأسماليّة الليبراليّة المرافقة له، والتي تدمّر الشّغل وتنتج البطالة والتّهميش على نطاق واسع لتكديس المزيد من الأرباح، لا تستطيع أن تكون مصدر إلهام لسياسات اجتماعيّة هدفها "خلق مواطن الشّغل وامتصاص البطالة". إنّه بات من الضروري والملحّ في آن، الدّعوة في تونس لبرنامج إنقاذ وطنيّ تشرع خطواته الأولى في الخروج من المنطق الليبرالي السّائد الذي يزرع العنف على نطاق واسع في المجتمع ويغذيه ويدفع به إلى متاهات لا تحمد عقباها. إنّ في ضمان الحقّ في الشغل وتعزيز حقوقه وتطويرها أفضل دعامة لحاضر آمن ومستقبل دائم، لذلك أقترح :

·     التخلي عن إستراتيجية مُرونة التشغيل التي حوّلت قوّة العمل إلى بضاعة "جوتابل" التي تنشر الفقر والهشاشة والتهميش في أوساط المجتمع. ويتطلب الخروج من هذا المنطق الهدّام، ردّ الاعتبار للعمل، خاصّة من خلال تدعيم قانون الشغل بإضافة إجراءات جديدة من شأنها أن تعزّز حقوق العمل وتمنع طرد العمّال لأسباب اقتصاديّة، وتنصّص على منحة ماليّة للتعويض لكلّ مواطن يحرمه النشاط الاقتصادي من حقّه في الشغل، منحة تراعي كفاءته المهنيّة والعلميّة وتمكنه من وسائل العيش الكريم ريثما يجد شغلا.

·     اعتبار قطاعي التعليم والصّحّة قطاعين يحظيان بالأولويّة الوطنيّة المطلقة، لأنّ شعبا متعلم وفي صحّة جيّدة هو شرط التقدّم الاجتماعي وأفضل حافز للتقدّم الاقتصادي. وإنه لغنيّ عن القول إنّ هذين القطاعين يحتويان على ذخيرة هائلة من الشّغل المُفيد اجتماعيا واقتصاديّا. فعلى سبيل المثال يكفي حظر السّاعات الإضافية في المرحلة الثانية من التّعليم الأساسي والثانوي لتوفير آلاف مواطن الشّغل في مُستهلّ السّنة الدّراسيّة القادمة لحاملي الشهادات الجامعيّة المعطلين (تحديدا 7778 باعتبار معدّل ساعتين إضافيّتين فقط بحساب 70 ألف أستاذ)، كما يُمكـّن التّخفيض في سنّ التقاعد للأساتذة من تدعيم هذا المجهود، حيث يوفر التّخفيض بسنة واحدة في سنّ التقاعد حوالي 2000 موطن شغل جديد. كما يُمكّن التّخفيض في معدّل التّلاميذ في الفصل الواحد من مستواه الراهن (32 تلميذ) إلى مستوى 25 تلميذ من خلق 17.038 موطن عمل إضافي... إنّ بناء "مدرسة الغد" يبدأ من اليوم.

·      تُبرز تجارب عديدة، ماضية وحاضرة، لشعوب كثيرة، أهمّية الاستهلاك الأسري في دعم النشاط الاقتصادي وإعطائها ركيزة صلبة ممّا يسمح بخلق المزيد من مواطن الشغل، على عكس الاستثمار أو الصّادرات التي تتميّز بقدرتها العالية على "التبخّر" نظرا لتأثرها الشديد بالظرفيّة العالميّة وبكلفتها الاجتماعيّة الباهظة. ففي الولايات المتّحدة الأمريكيّة تبلغ نسبة الاستهلاك الأسري من إجمالي الناتج المحلي 70%، وتبلغ هذه النسبة 62% في المملكة المتحدة، وهو ما يعتبره العديد من المحللين الاقتصاديّين من العوامل التي تفسّر ضعف مستوى البطالة وتماسك نسب النموّ الاقتصادي في هذين البلدين، على عكس فرنسا التي لا تتجاوز فيها هذه النسبة 58%.

أمّا في تونس فإن نسبة الاستهلاك الأسري من إجمالي الناتج المحلي تساوي 47.7% !! تتطلب الزيادة في مستوى الاستهلاك الأسري بالضّرورة، الزّيادة المعتبرة في المقدرة الشرائيّة للأجور من أجل تنشيط الدّورة الاقتصاديّة وتحسين أداءها التشغيلي. كما يمكّن التخفيض من نسب البطالة وتحسين مستوى التشغيل من الزيادة في حجم الاستهلاك الأسري.

أعلم أنّ هذه الاقتراحات سوف تثير لدى العديد تساؤلات كثيرة خاصّة في ما يتعلق بالتمويل، وموقف المستثمرين الخواصّ محليّين كانوا أو أجانب، وحول موقف المؤسّسات الماليّة الدّوليّة راعية السّياسة الليبراليّة بالجنوب. لكن هذه الاقتراحات يمكن أن تكون موضوع نقاش يعرض فيها كلّ رأيه وحججه.

·     أخيرا، تتطلب مهمّة الإنقاذ الوطني بشكل عاجل تثبيت الآليّات الديمقراطية التّي تضمن الشفافية والمُشاركة الواسعة للمُواطنين في الشؤون التي تحدّد مصيرهم المشترك، وتتيح لهم الإمكانيّات الفعليّة للمتابعة والمُراقبة، وهي وحدها قادرة على ضمان التحكم في المَوارد الماليّة للبلاد وتوجيهها نحو توظيف أفضل، أي ذلك الذي يستجيب لمصالح أكبر قدر ممكن من المواطنات والمواطنين والتي في مقدّمتها ضمان حقّ الشغل.

فتحي الشامخي

1 ماي 2007

Publié dans EMPLOI

Commenter cet article