العولمة تُذيب السّكر التونسي

Publié le par FATHI CHAMKHI

السّكر مثل الملح : لا يكاد يغيب عن طعام، يتناولة التونسي بمعدّل يفوق 2.5 كلغ في الشهر الواحد     !     لذلك يجوز أن نعتبره "الوقود الغذائي الشعبي". فالسّكر إذا مادّة غذائيّة أساسيّة بالنسبة للتونسي، ممّا يجعل التحكم في إنتاجه وفي تجارته من مشمولات السّيادة الغذائيّة للمجوعة الوطنيّة، على غرار الزّيت والحبوب والحليب وكذلك اللحوم. وبالتالي ليس من الغريب أن يحضا السّكر باهتمام الدّولة، راعية تلك السّيادة، وبدعمها المالي.

لكن كيف اجتاز السّكر إمتحان العولمة الرأسماليّة العسير ؟ هل لا تزال الدّولة تدعم سعره حفاظا منها على القدرة الشرائيّة للعائلة التونسيّة ؟ وهل حافظت على الخيار الاستراتيجي المتمثل في تطوير الانتاج الوطني لهذه المادّة الأساسيّة دعما منها للسّيادة الغذائيّة التونسيّة ؟

إنطلق تصنيع السّكر في تونس بمبادرة من الدّولة سنة 1961، من خلال بعث ما يُعرف اليوم باسم "الشركة التونسيّة للسكر" بباجة. كما تمّ في ذات الوقت إدخال زراعة اللفت السّكري إلى إقليم الشمال الغربي قصد توفير المادّة الأوليّة الضروريّة لهذه الصناعة الناشئة.

ثم تدعّم هذا التوجّه سنة 1982 بفضل إنشاء "المركّب السّكري التونسي" بجندوبة، بطاقة تحويل تفوق 4000 طن من اللفت السّكري المحلي في اليوم الواحد مقابل 1500 بالنسبة لمعمل باجة. إضافة إلى ذلك تخصّص معمل جندوبة في استخراج الخمير من اللفت السكري بكميّة تزيد عن 3300 طنّ سنويّا، فيما طوّر معمل باجة طاقة تكرير السّكر الخامّ المستورد.

مكن خيار السّكر التونسي، إلى جانب تطوير القدرات الصناعيّة الغذائيّة المحليّة، من تعصير المنظومة الفلاحيّة في أقاليم باجة وجندوبة وبوسالم وغار الدماء، من نظام فلاحي مُمتدّ أي يعتمد على الزراعات البعليّة الكبرى (قمح صلب وشعير أساسا) والبور السّنوي (اعتماد راحة سنويّة للأرض لتمكينها من تجديد طاقتها البيولوجيّة والمعدنيّة) إلى نظام فلاحي مكثف يضمّ التداول الزراعي والريّ وتربية الأبقار.

ونتيجة لذلك ارتفع إنتاج اللفت السّكري التونسي ليتجاوز خلال التسعينات 30 ألف طنّ، على مساحة زراعيّة تقارب 6000 هكتار. وكان يتعاطى هذا النشاط عدّة آلاف من الفلاحين الذين كانوا يستعينون بيد عاملة فلاحيّة متكونة من أكثر من 5000 عاملة وعامل. في المقابل مكنت صناعة السكر التونسي من انتاج ما يقارب 30 ألف طنّ من السّكر الأبيض سنة 1987 (أعلى مستوى لها) أي ما يساوي 15    %     من إجمالي الاستهلاك المحلي من هذه المادّة.

في الأثناء، ظل الدّيوان التونسي للتجارة، منذ تأسيسه سنة 1962، المورّد الوحيد للسّكر حتى سنة 1992. حيث وقع الترخيص للشركة التونسيّة للسّكر بتوريد ما يلزمها من السّكر الخامّ الذي تتولى تكريره. كما وقع السّماح لبعض الخواصّ بتوريد كمّيات من السّكر. يتولى اليوم ديوان التجارة توريد ما يقارب 60  % من احتياجات البلاد، فيما يقوم معمل باجة بتوريد حوالي 40 %من السّكر الخامّ الذي يحوّله إلى سكر أبيض مكرّر.

ساهمت صناعة السّكر المحلي، المستخرج من اللفت السكري التونسي، في تخفيف حدّة الكلفة الماليّة المترتبة عن ارتفاع استيراد السّكر، الناتج بدوره عن الازدياد المتواصل لحجم الاستهلاك الداخلي الذي ارتفع من حوالي 150 ألف طنّ في بداية الثمانينات إلى ما يزيد عن 300 ألف طنّ اليوم. علما بأنّ معدّل سعر الطنّ الواحد في السّوق العالميّة يساوي تقريبا 358 دينار. ممّا جعل السّكر من الموادّ الغذائيّة الكبرى التي تستوردها تونس إلى جانب القمح الليّن والزيوت النباتيّة. وأصبح الثمن الجملي للسّكر المستورد يتجاوز بكثير مجموع ما تجنيه الفلاحة التونسيّة من تصدير القوارص والتمور معا. كما ساهم ارتفاع كلفة واردات السّكر في تفاقم عجز الميزان الغدائي التونسي معمقا بذلك التبعيّة الغذائيّة للسّوق العالميّة، بالإضافة إلى ما يمثله ذلك من ضغط متزايد على مستوى الاقتراض الخارجي.

في هكذا ظروف قرّر المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 15 سبتمبر 1997 إيقاف تجربة 35 سنة من تصنيع السّكر التونسي، والتعويل على السّوق العالميّة لتوفير احتياجات البلاد من السّكر. وكنتيجة لذلك توقفت كليّا زراعة اللفت السّكري، وعرض معمل جندوبة على المزاد العلني حيث وقع التفويت فيه للخواصّ بعد أن أصبح نشاطه مقتصرا على إنتاج الخمير من الدّبس المستورد. أمّا معمل باجة فإنّ نشاطه يقتصر اليوم على تكرير السّكر الخام المستورد.

لماذا قرّرت الحكومة التخلي عن السّكر التونسي ؟ إنّ الحجّة المُعلنة هو الدّعم المالي السّنوي الذي تقدّمه الدّولة لشركتي السّكر، لتغطية الفارق بين سعر تكلفة السّكر المحلي (610 مليم تكلفة الكلغ بمعمل جندوبة، و510 مليم بمعمل باجة) وسعر الجملة الذي يبيع به ديوان التجارة (526 مليم منذ جويلية 1995)، للحفاظ على توازناتها الماليّة ("منحة التوازن"). يبدو القرار صائبا، حيث أن مبرّره هو، كما كان يصرّح به، إحكام التصرّف في الموارد العموميّة، وتحقيق توظيف أفضل لها، وفق ما تقتضيه مصلحة جميع التونسيّين.

لكن ما لم تصرّح به الدوائر المسؤولة هو أنّ الدولة قبضت خلال نفس السّنة 25.2 مليون دينار (م. د.) ، أي الفارق بين سعر السوق العالميّة (معدّل سعر الكلغ 393.9 مليم) وسعر البيع لتجارة الجملة. فيما كان المستهلك التونسي يشتري السّكر آنذاك من تجّار التفصيل بسعر 570 مليم (السّعر الحالي 630 مليم). بعبارة أخرى دفعت الدّولة سنة 1997 حوالي 15.8 م. د بعنوان دعم السّكر التونسي، وقبضت 25.2 م. د بحكم موقعها الاحتكاري على مستوى التوريد وتحديد سعر الجملة. هكذا تصبح الحصيلة واضحة : ربح صافي بالنسبة للدولة يساوي 9.3 ألف دينار بفضل السّكر.

فما ضرّ إذا لو أبقت الحكومة على صناعة السّكر التونسي رعاية منها للأمن الغذائي الوطني وحفاظا على وسائل الإنتاج وعلى الخبرات الفلاحيّة والصناعيّة التي راكمتها الشغيلة التونسيّة في هذا المجال... ثمّ إنّ كلّ هذه الأموال، كانت ولا تزال، تخرج من جيوب التوانسة، لذلك كان من العدالة أن يُطلب رأيهم في الموضوع قبل اتخاذ قرار بهذه الأهميّة.

ثم من لا يعلم اليوم أنّ سعر السّوق العالميّة هو دون سعر التكلفة حتّى بالنسبة لأكثر الفلاحات تقدّما، على غرار الفلاحة الأوروبيّة مثلا. فالمركب الصّناعي الفلاحي السّكري الأوروبي ليس بإمكانه اليوم الحفاظ على وجوده في السّوق العالميّة، أو حتّى عن بقائه كنشاط، لولا الدّعم المالي الهامّ الذي يتلقاه من الإتحاد الأوروبي في إطار السّياسة الفلاحيّة الموحّدة. لماذا تمّت التضحية بالمركب الصّناعي الفلاحي السّكري التونسي بعد أن كان مفخرة من مفاخر البلاد ؟

في انتظار أن يأتي جواب، أقترح عليكم جوابا. إن معاينة بسيطة لتطور أرباح الدّولة المتأتية من تجارة السّكر لسوف نجد فيها المعنى الذي نبحث عنه. قبل قرار إيقاف نشاط المركب الفلاحي السّكري لم تتجاوز قيمة هذه الأرباح، في أفضل الحالات (أي سعر متدني في السّوق العالميّة) 14 م. د. (1994). ثم خلال سنة 1998 أي مباشرة بعد قرار الغلق قفز الرّبح من 9.3 م. د. إلى 23.7 م. د. ثم 30 م. د. (1999) و 35.7 م. د. (2001)، وهكذا دواليك... أمّا اليوم وبعد الترفيع مرّتين في سعر التفصيل في الوقت الذي يتراجع فيه سعر السّوق العالميّة، فبالإمكان تخيّل النتيجة...

هكذا إذا يتضح أنّ منطق الرّبح السّريع وبأيّ ثمن، الذي تسوّقه العولمة الرأسماليّة، قد تغلب بالضّربة القاضية على السّكر التونسي. ويبقى السؤال مطروحا : ماذا جنى التوانسة من هذا الرّبح ؟

فتحي الشامخي

7 نوفمبر 2007

Publié dans ECONOMIE

Commenter cet article