معركــــة ’السّيــــادة الشعبيّــة الوطنيّـة ‘4

Publié le par FATHI CHAMKHI

traité du Bardo

الاتفاقيّات الاقتصاديّة غير المُتكافئة

على الرّغم من كونها قد أنجزت ثورة عظيمة مكنتها من طرد الدكتاتور وحاشيته، إلاّ أنّ الجماهير الشعبيّة التونسيّة لم تسترجع حرّيتها، التّي لا تزال مُقيدة بقيود خَارجيّة تتمثّل في الاتفاقيّات الاقتصاديّة غير المتكافئة، سواء كانت متعدّدة أو ثنائيّة الأطراف، والتّي تتنافي وحقّ الشعب التّونسي في تقرير مصير وفي التصرّف في نفسه بحرّية من دون وصاية أجنبيّة.

لقد أبرمت جميع هذه الاتفاقيات الاقتصاديّة غير المتكافئة، باسم الشعب التونسي، سلطة دكتاتوريّة، أي من دون أن يكون لهذا الشّعب الحقّ في إبداء الرّأي فيها، أو الاطلاع عليها، أو حتّى أن يكون له علمٌ بوجودها.

ولقد أصبح الجميع اليوم يقرّ، بما في ذلك الأطراف الأجنبيّة التّي وقّعت مع بن على هذه الاتفاقيات، بأنّ الشعب التونسي، الذي كان يخضع لسلطة دكتاتوريّة، لم يكن حرّا في قراره، أي يتمتّع بحقّ القبول أو الرّفض، سواء بطريقة مباشرة (بالاستفتاء مثلا) أو عن طريق ممثليه الشرعيّين المنتخبين. وبالتالي ليس للسّلطة الدّكتاتوريّة أيّة شرعيّة لتمثيل الشعب التونسي، والالتزام باسمه في مسائل حيويّة لها علاقة بالسّيادة والمصير.

.إنّ من حقّ الشعب الذّي تخلص من استبداد الدّكتاتور أن ينقض ما قد عقد من اتفاقيّات باسمه، وأن يعتبرها لاغية وغير مُلزمة له، أو على الأقلّ أن يعيد التفاوض فيها على وفق ما تمليه مصالحه.

لكن رغم طرد الدكتاتور، فإن ما فرض على الشعب من اتفاقيات جائرة لا يزال قائما وساري المفعول. ولا يتعلق الأمر بجبر ضرر سابق، وإنّما بمصير الثورة ومستقبل الجماهير الشعبيّة، حيث لا تزال هذه الاتفاقيات غير المتكافئة تقف حجر عثر أمام محاولاته لتحسين أوضاعه واستعادة سيادته المسلوبة، لكي يقرّر مصيره بحريّة بدءا باختيار السّياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافية والبيئيّة التي تتماشى مع احتياجاته وتستجيب لرغبته في مستقبل أفضل. ولا يمكن بأي حال من الأحوال التعويل على حكومة السّبسي ولا على التّحالف السّياسي المتكوّن من حولها، بأن يثير هذه القضيّة أمام الرّأي العامّ، أو أن يطالب بتخليص تونس من ظلمها واستبدادها.

وتتمثّل هذه التّرسانة المُعادية في الاتفاقيّات الاقتصاديّة غير المتكافئة والمُقيّدة والمُكبّلة لسيادة الشّعب التّونسي في :

الاتفاقية المُبرمة، في جوان 1966، مع "المركز الدّولي لفضّ النّزاعات المُتعلقة بالاستثمار بين الدّول ومواطني الدّول الأخرى" التّابع هو الأخر لمجموعة البنك العالمي وهو عبارة عن محكمة خاصّة لدى هذا البنك.

واتفاق "برنامج التعديل الهيكلي" الذّي وقّعته عليه حكومة رشيد صفر في جويلية 1986.

الاتفاقيّة المُبرمة مع الوكالة المتعدّدة الأطراف لضمان الاستثمارات (ميغا) وهي أحد فروع البنك العالمي المتخصّصة في مجال تيسير دخول "الاستثمارات الرّأسماليّة المباشرة" في الأقطار التّابعة والمولّي عليها.

ثمّ اتفاق التبادل الحرّ مع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء ("اتفاق الشّراكة الأورو متوسطي") المبرم من طرف سلطة بن على في جويلية 1995، والذي أصبح ساري المفعول تماما، منذ جانفي 2010.

وما لا يقلّ عن 54 اتفاق حماية الاستثمار نصفها مع الأقطار الرّأسماليّة المهيمنة . لكنّ أهمّهذه الاتفاقيات هو ممّا لا شك فيه الاتفاق مع الدّولة الفرنسيّة، راعية المصالح الرّأسماليّة الفرنسيّة المهيمنة الأساسيّة في تونس، والمبرم في أكتوبر 1997.

تحمي هذه الاتفاقيات غير المتكافئة المصالح الرّأسماليّة الأجنبيّة في تونس وتكبّل بالقدر ذاته السّيادة الشعبية الوطنيّة باعتبارها دعامة الهيمنة الاقتصادية والسّياسية الأجنبية على تونس. وهي تُعنى خصوصا بتسهيل دخول رؤوس الأموال إلى تونس وتأمين الشّروط السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الأفضل لاستخدامها قصد تحقيق الرّبح الأقصى، وضمان التّرحيل الكامل للأرباح، وفتح السّوق المحليّة أمام الدّخول الحرّ للسّلع الرأسماليّة المصنّعة (معفاة من الضرائب) وللمواد الفلاحيّة المدعومة.

تُأمّن الاتفاقيّات الاقتصاديّة غير المتكافئة للرّأسمال الأجنبي، على وجه التحديد، الحماية السّياسة خاصّة تجاه الثورات والطموحات الوطنيّة التحرّريّة التي يمكن أن تتبنّاها حكومة شعبيّة ديمقراطيّة، تحملها حركة اجتماعيّة أو ثورة إلى السلطة. كما تأمّن الحماية ضدّ محاولات التّأميم الذّي تجرّمه، ولا تقبله إلاّ في حالات استثنائيّة، وفي هذه الفرضيّة تنصّص هذه الاتفاقيات على أن الاجراءات التّي تهدف إلى مصادرة الرّأسمال الأجنبي تستوجب دفع تعويضات ماليّة "عادلة ومسبقة" مُساوية للقيمة الفعليّة للاستثمار المعني بالأمر، على أساس وضعيّة اقتصاديّة عاديّة وسابقة لفترة الإعلان عن المصادرة. كما ينضاف إلى مبلغ التعويض الفوائد الماليّة وفق سعر السّوق والتي يقع احتسابها من تاريخ قرار التعويض حتى تحقيقه الفعلي.

وتضمن الاتفاقيات غير المتكافئة كذلك، حرّيّة ترحيل الأرباح المتأتيّة من مشاريعه، إلى غير ذلك من الإجراءات والتدابير التّي تهدف كلّها إلى تعزيز حريّة الرأسمال الأجنبي على حساب حريّة الشعب التّونسي، وحقّه في التصرّف في نفسه بحريّة، وفي ممارسة سيادته على أرضه على موارده الطبيعيّة والاستفادة منها وحمايتها...

عند حصول أيّ خلاف، ما بين مستثمر أجنبي والسلطة التّونسيّة أو أي طرف آخر محلّي (نقابة العمّال  مثلا) بإمكان الأخير، بمقتضى اتفاقيات حماية الاستثمار، رفع دعوى إلى "المركز الدّولي لفضّ النّزاعات المُتعلقة بالاستثمار بين الدّول ومواطني الدّول الأخرى" لمطالبة الدولة التونسيّة بجبر ما قد يلحقه من خسائر جرّاء مثلا حركة إضرابيّة عمّاليّة.

وفيما يتعلّق بهذه 'المحكمة'، التابعة لمجموعة البنك العالمي، فإنها تلقت منذ نشأتها ما لا يقلّ عن 232 شكوى، تقدّمت بــ 230 منها شركات عابرة فوق القوميّات، وفي 74% من الحالات كان المُدّعى عيله بلد رأسمالي تابع. ولم تكن تونس بمأمن من هذه الشكاوي، التي كان آخرها الشكوى التي رفعها  ABCI Investments ضدّ الدّولة التونسيّة في قضيّة البنك الفرنسي التّونسي، والتّي صدر فيها الحكم مؤخّرا (مارس 2011) ضدّ الدولة التونسيّ، لفائدة هذه المؤسّسة الماليّة، بعد ثماني سنوات من التقاضي، خسرت خلالها المجموعة الوطنيّة 35 مليون أورو (حوالي 70 مليون دينار).في مصاريف المحاماة. وبناء على هذا الحكم، يقوم الآن هذا المركز بتقدير الغرامة الماليّة التي سوف تدفعها الدّولة التونسيّة إلى المؤسسّة الماليّة.

تلك هي المحاور الأساسيّة المكوّنة لمنظومة الهيمنة الرّأسماليّة عل تونس. قدمناها باقتضاب شديد قصد لفت الانتباه إليها في هذه المرحلة التاريخيّة بالغة الأهميّة بالنسبة لمستقبل تونس. حيث أنّه لا يمكن للثوريّين القبول، بأي شكل من الأشكال، باستمرار الصّمت المطبق المفروض حول مختلف مسائل الهيمنة الأجنبيّة والسّيادة الشعبيّة. فبالإضافة إلى ضرورة أن يبادر الثوريّون بفتح النّقاش حولها وإدخالها ساحة الجدل السّياسي، يجب عليهم الحرص على مزيد التّفكير والتعمّق فيها قصد التوصّل إلى ضبط المطالب الانتقاليّة التي يستوجبها مواصلة النّضال من أجل تحقيق أهداف الثورة التونسيّة، مع ضمان أوفر الحظوظ لنجاحها. تلك المطالب والحقوق التّي لطالما انتظرتها الطبقات الكادحة والجماهير الشعبية وضحّت من أجلها كثيرا وأنجزت ثورة عظيمة لتحقيقها... وقد دقّت اليوم بالفعل ساعة تحقيقها.

تونس في 19 أوت 2011

فتحي الشامخي

Publié dans DEMOCRATIE

Commenter cet article