معركــــة ’السّيــــادة الشعبيّــة الوطنيّـة ‘3

Publié le par FATHI CHAMKHI

FMI

المصالح الاقتصاديّة الرّأسماليّة الأجنبيّة

لقد رسّخ الخطاب السّائد في أذهان عُموم التونسيّات والتونسيّين ونُخبهم، فكرة أن المصالح الرّأسماليّة الأجنبيّة ('الاستثمار الأجنبي') نصيرة طُموحاتهم الوطنيّة، وهو الخطاب الذي يتوجّب على الثوريّين التصدّي له عن طريق إبراز مسؤوليّة الهيمنة الرّأسماليّة والهيمنة الامبرياليّة في ما تُعانينه الجماهير الشعبيّة من فقر وتهميش وما يحلق بها من شتّى أنواع المظالم. كما يهدف الخطاب السّائد، في الظرف الرّاهن، إلى ضرب معنويات الطّبقات الكادحة وزعزعت قناعتها في قدرتها على تحقيق تحرّرها بنفسها، في ظلّ السّيرورة الثّوريّة التّي تجعل الطبقات الشعبيّة يتحوّل من موضوع للتّاريخ إلى صانعين له.

تُمثّل المصالح الاقتصاديّة الأجنبيّة، أي تدخّل الرّأسمال الأجنبي المُباشر في الاقتصاد المحلّي، ركيزة أساسيّة للنظام الاستعماري القائم. فتُونس خامس بلد إفريقي (والبلد 51 في العالم) من حيث رصيد الرّأسمال الأجنبي الذّي تجاوز 25 مليار دينار، في بداية2011. ويتواجد هذا الرّأسمال بدرجة أولى في قطاع المحروقات، ثم في قطاعات الصّناعات المصدّرة حيث ثلث الشركات أجنبية مائة بالمائة. كما يُساهم، بدرجات متفاوتة، في رأسمال نصف الشّركات العاملة في قطاع الصّناعة، ويساهم بنسبة %24,7 في إجمالي الاستثمار وبنسبة %7 في الناتج المحلّي الخامّ.

تُعطي الهيمنة الاستعماريّة للرّأسمالي الأجنبي حرّية شبه مُطلقة في تونس. من ذلك تمتّعه بالإعفاء التامّ من دفع الضّريبة على الأرباح كما تنصّ على ذلك أبسط المبادئ الديمقراطيّة البورجوازيّة، على غرار ما ورد في الدّستور المخلوع : 'إنّ أداء الضّرائب والمُساهمة في التكاليف العُموميّة واجب على كل شخص عل أساس الانصاف' (فصل 16 وكافة المواثيق والمُعاهدات الدّوليّة ذات الصّلة.

كما يكرّس التدخّل الرّأسمالي الأجنبي البِنية المجاليّة الموروثة عن الاستعمار المُباشر، حيث يقسّم المجال التونسي إلى جزء 'مُفيد' له، يُدمجه في السّوق العالميّة، وجزء 'غير مفيد' يُهمّشه. وبالتّالي فهو المسؤُول الرّئيسي عن انخرام التّوازن الجغرافي ما بين أقاليم مُدمجة في دائرة العولمة الرأسماليّة، حيث يتركّز تدخّله، ممّا يُكسبها حيويّة اقتصاديّة نسبيّة، مُقارنة بالأقاليم "المنبُوذة" التّي تُترك على هامش الدّورة الاقتصاديّة. وممّا يؤكّد هذا الفرز المجالي، تركّز 92% من الشّركات الأجنبيّة بإقليمي الشّمال الشّرقي والوسط الشّرقي.

لذلك مثّل رفض الجماهير الشعبيّة الثائرة للهيكلة المَجاليّة المورُوثة عن الاستعمار المُباشر، وما ينتج عنها من إهمال وتهميش لأقاليم عديدة، أحد دوافع الثّورة التّونسيّة. كما أنّ هذه الهيكلة المجاليّة المختلّة، بالإضافة إلى كونها عامل إهدار لطاقات البلاد وسببا في تخلّفها، هي من بين مظاهر فشل البّورجوازيّة المحليّة في دمج المجال الوطني وتفعيله، بداية بعجز سّياساتها المُتعاقبة على تخليص تونس من الهيمنة الأجنبيّة وصولا إلى الرّضوخ من جديد للمنطق الاستعماري. وبالتالي لا يمكن اليوم مُعالجة الاختلالات الاقليميّة، وما ينتج عنها من انعكاسات اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة وخيمة، دون الإطاحة بالنظام  الاجتماعي القائم.

كما يبرز العمل التخريبي للرّأسمال الأجنبي من خلال تدميره المنهجي للمنظومات الاجتماعيّة المحليّة، وخاصّة تفكيكه لنظام الدّولة الرّاعية (سياسة "التقشف"، تسليع الخدمات العموميّة...) والقوانين الاجتماعيّة (قانون الشغل، والضمان والحيطة الاجتماعيّة والتقاعد وإضعاف نظام التّفاوض القطاعي الجماعي، والتّضييق على الحقّ النقابي والمُمارسة الحرّة لحقّ الإضراب.

وبالإضافة إلى ذلك، يتطلّب اندماج الاقتصاد المحلي في نظام العولمة الرّأسماليّة، تضخّم 'الجيش الصّناعي الاحتياطي' المُتمثّل في العدد الهائل من المُعطّلين عن العمل وجماهير الشغلية التي تعاني من فقدان الأمان في الشغل وكذلك من توظيفها المحدود. وبالتالي فإن حجّة مواطن الشغل التي تخلقها"الاستثمارات الأجنبيّة" في تونس، والتي يُراد من خلالها تبرير الهيمنة، تتجاهل الكُلفة الاجتماعيّة الباهظة التّي يستوجبها ضمان ربحيّة عالية للرّأسمال الأجنبي. أي أنّ ما نربحُه في شكل مواطن شغل، غالبا ما تكون هشّة وبشروط استغلاليّة مُجحفة، ندفع ثمنه أضعافا وأضعافا، على كافة المستويات، نتيجة استمرار نظام الهيمنة الرأسماليّة الأجنبيّة على تونس.

ثمّ إنّ حُجّة المُساهمة المزعُومة في خلق الثّروة، لا تصمُد بدورها أمام حقيقية ما تُبرزه "المُساهمات الصّافية لرؤوس الأموال"، على الأقل خلال العشرين سنة الأخيرة، حيث يتّضح أنّ الرّأسمال الأجنبي يُرحّل من تونس، بعنوان أرباح مشاريعه، أكثر ممّا يُدخل إليها من رساميل، في شكل "استثمارات" جديدة. أي أنّ الرّأسمال الأجنبي هو المُستفيد الوَحيد من تدخّله في تونس. وكذلك الشأن بالنسبة لحُجّة تحويل التكنولوجيا والمُساهمة في الرّفع في مستوى الكفاءة المهنيّة إلخ، والتي ليست سوى ذرّ الرّماد على العُيون لإخفاء حقيقة الاستعمار وحقيقة من المستفيد ومن الخاسر من استمراره.

وحتّى تكتمل الصّورة من الضّروري الإشارة إلى الأضرار التّي يُلحقها منطق العولمة الرّأسماليّة بالمُحيط الطّبيعي والنّابع من جوّ المُنافسة المحمُومة والمُعمّمة، الذي يضغط بدوره في اتُجاه إضعاف التّشريعات والاليّات التّي تحمي الطّبيعة من الاعتداءات الرّأسماليّة. لذلك لن تكون تونس بمنأى عن هذا العُنف المُعادي للبيئة ما دامت خاضعة للهيمنة الاستعماريّة.

لقد نجحت الرّأسماليّة العالميّة في إعادة إنتاج العلاقة الاستعماريّة في تونس. وهو ما يؤكّده، بالإضافة إلى ما تقدّم، تركيز الرّأسمال الأجنبي على استغلال الموارد الطبيعيّة، وتحديدا في مجال المحروقات (حوالي نصف إجمالي استثماراته) لحساب 62 شركة نفطيّة وغازيّة، تستغل أكثر من 62 رخصة تنقيب واستغلال المحروقات برّا وبحرا، مُعيدا بذلك إنتاج النّموذج الاستغلالي الاستعماري. ولتأمين هذا التدخّل وتوفير الربحيّة القصوى له، سنّت السّلطة الدّكتاتوريّة، سنة 1999، مجلّة خاصة بالمحروقات.. ضاربة عرض الحائط بالسّيادة الشعبيّة على الموارد الطبيعيّة الوطنيّة التّي أباحتها البورجوازيّة المحليّة مجدّدا للنّهب الرّأسمال الأجنبي.

أخيرا تمكن الرّأسمال الأجنبي بفضل النظام الاستعماري المسلّط على تونس من السّيطرة على أبرز المنشآت الصّناعيّة والماليّة العموميّة بواسطة سياسة الخوصصة التّي انطلقت مع حكم بن علي، حيث تمكّن من الاستحواذ على ربع الشركات المُفوّت فيها.

Publié dans DEMOCRATIE

Commenter cet article