ا24 أفريل اليوم العالمي لمناهضة الاستعمار والامبرياليّة

Publié le par FATHI CHAMKHI

يوافق يوم 24 أفريل من كل سنة، "اليوم العالمي لمناهضة الاستعمار والإمبريالية". فأي معنى لهذا الحدث في زمن العولمة وقد أصبح العالم كما يقال، "قرية واحدة" ؟ لا يتسع المجال هنا لإثارة كل المسائل المرتبطة بالعولمة الرأسمالية، والتي يدور حولها الجدل في صفوف الحركات الاجتماعية العالمية والدوائر السياسية المناهضة لهذا الصنف المُحدّد من العولمة، بما في ذلك الحركة النقابية العالمية والتي تعدّ بلا منازع، من المعنيين الأساسيين بهذا الجدل، نظرا لشراسة الهجمة الرأسمالية ضد العمل في بلادنا كما هو شأن كافة أقطار العالم.

لكن هل يمكن، بعد خمسين سنة موجة التحرّر الوطني العارمة، أن نأخذ الحديث عن الاستعمار والإمبريالية ومناهضتهما مأخذ الجدّ ؟ ألم تنشأ على أنقاض الإمبراطوريات الاستعمارية دول وطنيّة زعمت أنها تجسّم إرادة شعوبها التّي أصبحت تتحكّم في ثرواتها وفي مصيرها بحريّة ؟ ألم تتأسّس بين هذه الدول والمتروبولات القديمة علاقات جديدة قائمة على التعاون واحترام السيادة الوطنية في ظل نظام دولي جديد ينبذ العنف والهيمنة كما يشير إلى ذلك ميثاق منظمة الأمم المتحدة ؟ ألم نحتفل في تونس، منذ عدة أيام، بالذكرى 48 لنيل الاستقلال ودحر الاستعمار ؟ ألم تذهب ظاهرة الاستعمار إلى الجحيم من غير رجعة ؟ أم هل أن الاستعمار قد خرج من الباب لكي يدخل لتوّه من النافذة ولو بأشكال أخرى ؟

من المفيد أن نشير في البداية إلى أن المفهوم المعاصر للاستعمار قد ارتبط، منذ القرن السادس عشر، بسياسات التوسّع والغزو التي مارستها جلّ النّظم الرأسمالية الأوروبية ضد بقية أقطار العالم وأقاليمه، وصولا إلى بسط الهيمنة عليها وإدارتها المباشرة بدعم من القوة العسكرية، من أجل استغلال قدراتها البشرية والطبيعية بحريّة مطلقة وبأبخس الأثمان. هذا الشّكل المُحدّد تاريخيا من الاستعمار تراجع بشكل ملحوظ خلال النصف الثاني من القرن العشرين ولكنه لم يزُل تماما.

ثم، وكما هو معلوم، لا يغذي الرأسمال السياسات العدوانية لرأسمالي المركز ضد شعوب المحيط فقط، بل إنه يدفع أيضا القوى العظمي إلى التنافس فيما بينها. ولقد اتخذ هذا التنافس، في عديد المرات، شكل حروب شاملة وسّعت دائرة الصراع التي حشرت في دوامة واحدة من العنف والاقتتال شعوب الشمال والجنوب على حد السّواء. هذان هما المعنيان المحددان الذين يشملهما مفهوم الإمبريالية : علاقات الهيمنة القائمة ما بين رأسمالي المركز وشعوب المحيط من ناحية وعلاقات التنافس القائمة ما بين القوى العظمى الإمبريالية في كل مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية من ناحية أخرى.

هكذا يبدو مفهوم الإمبريالية أوسع من مفهوم الاستعمار. فإذا كانت شعوب المحيط هي التي تعاني بصفة مباشرة وبمفردها من جور النظم الاستعمارية واستغلالها واضطهادها، فإن الإمبريالية تحشر معها شعوب المركز في دوامة العنف والعسكرية، لتتهدّد، في كل لحظة، مصير الكوكب بأسره. فلنتذكر فقط الحربين الأولى والثانية، خلال القرن العشرين، وكذلك سباق التسلح بين المعسكرين وما أفضى إليه من "توازن للرّعب" وانتشار أسلحة الدّمار الشامل، وفي مقدمتها السلاح النووي، على نطاق واسع.

لكن المشهد السّياسي الدّولي قد تغيّر بشكل هام بعد الحرب الكونية الثانية. ومن أسباب ذلك حركة استقلال المستعمرات التي أفضت إلى بروز كتلة جيوسياسية جديدة، أطلقت على نفسها  بلدان عدم الانحياز، وأصبحت أحد المكوّنات الأساسية للنظام العالمي الذي استمر حتى بداية تسعينات القرن الماضي. وساد الاعتقاد آنذاك على نطاق واسع، بأن الدول الجديدة قادرة على دعم استقلالها وردم الهوّة التي تفصلها عن الدول المتقدمة بفضل ما عقدت العزم على اتباعه من سياسات اقتصادية واجتماعية وطنية تكسبها المناعة الضرورية ضد الانتكاس وعودة الاستعمار إليها، وبالتالي ظن الكثيرون بأن عهد الاستعمار قد ولّى نهائيا !

كلنا يعلم كيف انتهت وعود التنمية واستكمال السيادة الوطنية إلى طريق مسدودة. وكيف سقطت كافة الأقنعة بعد أن استسلمت الأنظمة المُحيطيّة، على اختلاف أيديولوجياتها ومناهجها التنموية، إلى مشيئة الرأسمال العالمي بدعوى الواقعية السياسيّة والحتمية المزعومة للعولمة الرأسمالية. في المقابل نجح هذا الأخير، استنادا إلى الشروط العالمية الجديدة، وتحت غطاء حريّة المبادرة وحريّة الاستثمار والتجارة المزعومة، في بسط نظامه الجائر على البشر والطبيعة. إنه ما نسميّه اليوم نظام العولمة.

إن أول ما يتبادر للأذهان، عندما نتحدث عن الاستعمار اليوم، هو الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وكذلك، منذ 9 أفريل 2002، الاحتلال الأمريكي-الإنجليزي للعراق وقبله أفغانستان. كما يمكن أن نذكر الاحتلال الروسي للشيشان. لا غرابة أن نفكّر بالتحديد في محنة الشعب الفلسطيني، عندما نتطرق إلى هذا الموضوع، فهذا الشعب الذي تجاوز صَلبُه نصف قرن، والذي يحاول اليوم الجنون الإجرامي الصهيوني محق وجوده الوطني من خريطة العالم، قد أصبح نضاله رمزا، لا فقط لكل عربيّ حرّ، بل وأيضا لكافة شعوب المعمورة.

لكن ضحايا العولمة الرأسمالية، باعتبارها شكل النظام الإمبريالي العالمي في القرن الواحد والعشرين، لا نجدهم في فلسطين وأفغانستان والعراق والشيشان فقط، بل إننا نجدهم، ولو بدرجات متفاوتة في المعاناة بطبيعة الحال، في كافة أرجاء المعمورة. ثم ما من شك في أن ضغوط العولمة الرأسمالية ووحشيتها تكون أكثر بما لا يقاس في الجنوب، نتيجة تفاعل أزمة فشل التنمية مع عنف السياسات النيو-ليبرالية وضعف الحريات الديمقراطية أو غيابها كليّا.

تطرح العولمة الرأسمالية على مواطني العالم وشعوبه أربع قضايا أساسية على الأقل، وهي قضايا الحرب والسلام وحق الشعوب في تملك مصيرها وفي التحكم في ثرواتها الطبيعية، قضية الحقوق والعدالة الاجتماعية، قضية الحريات والحقوق الديمقراطية، قضايا الطبيعة والتوازنات البيئية والتنوع الإحيائي.

تكشف الحرب اليوم، أمام أنظار العالم، على وجه آخر للنيوليبرالية، وجه عنيف، وعدواني، وإجرامي يضع البشرية من جديد أمام تحديات مصيريّة. وهناك اتفاق عالمي واسع لاعتبار الحرب على العراق واحتلاله الشكل الأكثر وحشيّة ودموية للعولمة الرأسمالية. وليس هذا العدوان حالة عرضية أو استثنائية استوجبها الحفاظ على السلم والأمن العالميين، بل يندرج في إطار إعلان الإمبراطورية "الحرب الشاملة" على الشعوب بتبريرات عدة، كالحرب المزعومة ضد الإرهاب أو الدفاع عن الحضارة ضد البربرية. إن غاية الرأسمال من وراء هذه الحرب على أفغانستان والعراق... لا تختلف عن دوافع الحروب السابقة، حيث تبقى السيطرة المباشرة على مصادر الخامات والمواد الأولية والأسواق واستغلال قوة العمل بشكل مباشر وبأقل التكاليف، هدفه الرئيس.

صحيح أيضا أن الإمبرياليات في حاجة اليوم إلى ترهيب شعوب المحيط وكسر معنوياتها ومحو ملاحم حروب التّحرر الوطني وأحلام مرحلة باندونغ ووعودها السخيّة من ذاكرتها، لإرغامها على قبول مزيد من الإذلال والهيمنة. ولم لا القبول بعودة الاستعمار المباشر كحتمية تاريخية لا مناص منها، أو كنموذج جديد للإفلات من المعاناة والغبن والاحتقان الناجم عن حكم النظم "الوطنية" الموغلة في الفساد والظلم. كما علينا أن نضيف رغبة حكومات مجموعة الثمانية وزمرة دافوس، في تجريم حركة مناهضة العولمة الرأسمالية لفسح المجال أمام التقدم الحرّ لدكتاتورية السوق.

لقد رددت الحركة العالمية المناهضة للحرب والاحتلال يوم 15 فيفري 2003، ثم يوم 20 مارس الفارط رفضها القاطع للحرب وطالبت بالانسحاب الفوري والشامل واللامشروط للقوى الغازية من العراق لفسح المجال أمام العراقيين لتقرير مصيرهم بحرية، ومن أجل انتخابات حرة وديمقراطية من غير وصاية إمبريالية.

إن المنطق الرأسمالي الذي يعلن الحرب الشاملة وينشر الموت والدمار ويحاول تأليب الشعوب ضد بعضها البعض، هو نفسه الذي ينشر البطالة والفقر والهشاشة في بلدان المحيط بصفة خاصة وفي شتى أرجاء المعمورة عامة. وبالتالي فبالإضافة إلى العدوانية العسكرية وسياسات بسط النفوذ، يطرح تفاقم الأزمة الاجتماعية في بلدان العالم الثالث من جديد قضية الإمبريالية على جدول أعمال الحركة المناهضة للاستعمار والإمبريالية. ولم يعد بالتالي من الممكن الاكتفاء بنقد العولمة الليبرالية وبمقاومة مختلف انعكاساتها على المجتمعات البشرية والطبيعة حيث أصبح من الضروري إبراز معاداة الرأسمالية المتأصل للعدالة الاجتماعية والسلام والحريّة والتوازنات البيئية.

إن مفهوم الإمبريالية يقدم لنا أيضا تفسيرا لقضية الاستقطاب العالمي للدخل لفائدة المركز الرأسمالي. ويتم هذا الاستقطاب بالخصوص، على حساب القوى العاملة وصغار ومتوسطي المنتجين في أقطار المحيط عبر ما يسمى "آليات ترحيل الدخل" كخدمة الدين الخارجي وأرباح المشاريع الأجنبية والتبادل التجاري اللامتكافئ الخ. لقد مكّن بسط نظام العولمة الرأسمالية خلال العقدين الأخيرين من الزيادة الملحوظة في حجم المداخيل المرحلة وفي نسقها من أقطار المحيط الرأسمالي إلى رأسمالي المركز. ويتراكب هذا النزيف المالي مع الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن أزمة فشل التنمية ليؤدي إلى ازدياد تغلغل المصالح الرأسمالية العالمية في أقطار المحيط التي تفقد بالقدر نفسه مزيدا من سيادتها الوطنيّة. فليس لشعوب العالم الثالث عامة وللشعوب العربية خاصة من مكان في ظل العولمة الرأسمالية سوى أنها تكون خاضعة مُولى عليها بشكل أو بآخر، ثم أن تكدّ وتشقى لكي تنمي أرباح الرأسمال.

هكذا وفي الوقت الذي يزعم فيه الرأسمال الذي يروم الهيمنة المطلقة على العالم، أن الحاضر هو المستقبل الوحيد الممكن للبشرية، تبشر حركة مناهضة العولمة الرأسمالية، بعالم آخر أفضل يسوده السلام والتآخي بين الشعوب وتصان فيه الحريات الفردية والعامة وتُعزز الحقوق الاجتماعية ويُوضع الاقتصاد في خدمة كل الناس وتكون فيه الطبيعة في مأمن من كل اعتداء. لكن هذا العالم الآخر الأفضل لا يزال مجرد حلم، ويتوقف علينا نحن، مدى اقتنعنا بإمكانية النّصر، أن نناضل من أجل تكريسه على أرض الواقع.

فتحي الشامخي

ناطق باسم "رَادْ أتَاكْ تونس"

مقال نشر بالعدد السادس –أفريل 2004- من مجلة "أفق"

التي يصدرها قسم المرأة والشباب العامل والجمعيات بالاتحاد العام التونسي للشغل

Publié dans IMPERIALISME

Commenter cet article