من أجل إلغاء ديون تونس اللاشرعية مداخلة في البرلمان الأوربي، بروكسل، 24 مارس 2011

Publié le par FATHI CHAMKHI

نهاركم سعيد،

قام الشعب في تونس بطرد الدكتاتور وها هي الشعوب العربيّة تنسج على منواله، ممّا جعل الدّكتاتوريين يتهاوون الواحد تلو الآخر إن الثورات التي تهز الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط معلنة عن نهاية عهد الهيمنة الاستعمار الجديد. يجب على أوربا وضع سياسات تعاون حقيقيّة يتمّ مناقشتها على قاعدة النّديّة والمساواة مع شعوب الجنوب التي استعادت سيادتها.

الشعب التونسي يقف اليوم منتصب القامة، بعد أن انتزع حريّته ليس نتيجة المزايا المزعومة للتبادل الحرّ أو بفضل تنازلات صادرة عن الدكتاتوريّة. لقد اكتسب حرّيته بالاعتماد على قواته الذاتية و بإنجازه، وبكل بساطة، للثورة. لم يكن للتونسيّين من سلاح في مواجهة مستبديهم سوى شجاعتهم، وتصميمهم ووحدتهم وحبهم للحريّة.

كونه شعب حرّ، فهو لا يطلب شيئا من أحد، بل إنّ لديه شروط يعلن عنها.

يوم 14 جانفي (يناير) 2011، بدأت الأمة المُتحررة لتوّها في السير نحو بناء تونس جديدة، تونس أفضل. سوف تكون طريقنا طويلة وصعبة بالتأكيد، لكن اليوم أصبح كل شيء ممكنا.

لقد كانت القوى الأوروبيّة تسعى دائما إلى حماية مصالحها الخاصّة في جنوب البحر الأبيض المتوسط متجاهلة في ذلك مصالح الشعوب. أمّا على المستوى التونسي، فإن المصالح الاقتصادية الأوربية تعدّ على غاية من الأهميّة، حيث يبلغ رأس مال الاستثمارات الأوربية 13 مليار يورو، ما يمثل ربع إجمالي الاستثمارات في تونس. كما توجد حوالي 1100 شركة أوربية تشغل أو، بالأحرى، تستغل أكثر من 300 ألف عامل، و بهذا، تعد الشركات الأوربية ثاني موظف للتونسيين بعد الدولة التونسية، و يمثل رقم أعمال هذه الشركات 6 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي لتونس.

ومن أجل الحفاظ على مصالح هذه الشركات العابرة للحدود، قامت المُفوضية الأوربية والعديد من الحكومات الأوربية، خاصة منها حكومات فرنسا، وإيطاليا وإسبانيا، بدعم الدكتاتور بن علي حتى النهاية ضد الشعب التونسي. وبالتالي فإنّ الخطابات وتصريحات حسن النية لم تغير شيئا في هذا الوضع. بالرغم من أن الشراكة الأوربية المتوسطية وعدتنا بالازدهار و الديمقراطية، فإنّنا لم نحصل إلا على مزيد من الفقر و مزيدا من الدكتاتورية.

ألم ينص البند الثاني من عقد الشراكة الذي أبرم عام 1995 بين الاتحاد الأوربي ودوله الأعضاء مع تونس أن "احترام المبادئ الديمقراطية و حقوق الإنسان يشكل عنصرا أساسيا في الاتفاق"؟ ألم يكن بن على دكتاتورا عام 1995؟ بالتأكيد نعم. ألم يكن الاتحاد الأوربي و دوله الأعضاء على علم بذلك؟ بالتأكيد نعم. ماذا يعني تصريح كهذا إذن؟ فلهذا، يجب على الاتحاد الأوربي أن يقدم اعتذارا للشعب التونسي.

يوم 14 جانفي (يناير) الماضي، فرّ الدكتاتور تاركا خلفه دَيْنًا عموميّا خارجيا بقيمة 15.2 مليار يورو، ويقدر عبء تسديده لسنة 2011 بـ575 مليون يورو، أي ما يعادل ميزانية الصحة العمومية أو التعليم العالي والبحث العلمي.

اليوم، وكما أنّه تحرّر من دكتاتوريّة بن علي، فإنّ الشعب التونسي يريد التحرر أيضا من عبء هذا الدّيْن الذي ورثه من الدكتاتور كي يتمكن من بناء ديمقراطيته ويُسيّر نفسه و يدير شؤونه بطريقة مستقلة.

قامت مجموعة من الجمعيات التونسية من بينها جمعية رَادْ تونس، التي أمثلها، بتوجيه رسالة إلى محافظ البنك المركزي التونسي تطالبه فيها أن يعدّ فورا أمرا يقضي بتعليق تسديد خدمة الدّين العمومي التونسي من طرف واحد، إلى غاية انتخاب مجلس تأسيسي، المقرّر ليوم 24 جويلية القادم، ثمّ تشكيل حكومة منتخبة بطريقة ديمقراطية. خلال فترة تجميد تسديد الديون، والذي يجب أن يوقف خلالها تراكم الفوائد، نطالب بإنشاء لجنة مواطنيّة لفحص الدّيون و تحديد حصته الكريهة واللاشرعيّة، أي الحصّة التي لم ينتفع منها التونسيون وهي الحصة التي يجب إلغاءها.

لقد مثلت الدّيون على الدّوام بالنسبة للتونسييّن مصدر ضرر أكثر منها مصدر نفع لهم. ففي النّصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت من بين الأسباب التي أدّت إلي استعمار البلاد، حيث تمّ تشجيع الباي على التّداين واقتراض الأموال من السماسرة الفرنسيين و الإيطاليين، وذلك بدعوى دعم ازدهار تونس.

كانت نسب الفائدة المُوظفة على قروض السّندات، وشروط القروض الرّهانيّة، والعمولات وتحويل الأموال للمصالح الخاصّة من طرف أعضاء ديوان الباي سببا في تفقير الإيالة التي واجهت أزمة مالية حادة مثلت حجة للحكومات الفرنسية والإيطالية والإنكليزية لإقامة "لجنة مالية" ثلاثية والتي استولت على إدارة الشؤون المالية للدّولة التونسية. ثمّ وبعد سنوات قليلة، أصبحت تونس مستعمرة فرنسية.

بعد الاستقلال، أجبرت تونس على اقتراض المال من فرنسا كي تشتري أراضيها التي كان يستحوذ عليها المستوطنون الفرنسيون، الذين استولوا عليها في ظل الاستعمار. هكذا، وبهذه الكيفيّة أعادت تونس المستقلّة العهد مجددا مع نظام المديونيّة.

ثمّ ازداد، تحت نظام الدكتاتور بن علي، وضع المديونية التونسية سوءا. حيث بلغ المعدل السنوي لنمو الدّين 58.7 بالمائة بالمقارنة مع 42 بالمائة سنويا في العهد السابق. وخلال العشرية الماضية، شهدت المديونية تزايدا سريعا كي يصل إلى مستوى القياسي يقدر بـ89 بالمائة سنويا.

عام 1989، العام الذي قام فيه بن على بانقلابه العسكري، كان الدين العمومي التونسي يقدّر بـ 2.5 مليار يورو، واليوم يقدر بـ 15.2 مليار يورو، وبالرغم من أن تونس سدّدت خلال نفس الفترة 23 مليار يورو من ديونها، فهي قد أصبحت، في عهد الدكتاتورية الطويل، مُمولا صافيا بعنوان المديونيّة الخارجيّة. هكذا أصبحت تونس اليوم، هي التي تموّل الدائنين الأثرياء لدول الشمال و ليس العكس.

وفي نفس الفترة، زاد الفقر و البطالة و تدهورت القدرة الشرائية بشكل بالغ: أكثر من 10 بالمائة من التونسيين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، و نسبة البطالة تتجاوز 15 بالمائة حيث أن ثلاثة أرباع المعطلين عن العمل هم شباب من دون 34 سنة من العمر وأغلبهم من أصحاب الشهادات الجامعية. أما الأجر الأدنى فلا يكاد يتجاوز 120 يورو ومتوسط الراتب الشهري لا يتجاوز 350 يورو. من الواضح جدا أن أغلب التونسيات والتونسيين لم يستفيدوا من هذا الحجم الهائل من الدّيون، حيث لم تستفد منها إلا الأقلية، و كان الدكتاتور والمقربين إليه هم أكبر المستفيدين من هذه الدّيون. أملاكهم التي يملكونها في الخارج تقدر بعدة مليارات من اليورو، أي ما يعادل إجمالي الدين العمومي الخارجي، إن لم يكن أكثر.

قامت التلفزة الحكومية مؤخرا بعرض صور لملايين اليورو والدولارات التي اكتشفتها لجنة مكافحة الفساد في مخبئ بأحد قصور الدكتاتور، ويعد هذا دليلا إضافيا آخر على أنّ حصة هامة من أموال الدّيون قد تم الاستحواذ عليها واختلاسها من طرف الدكتاتور والمقربين إليه.

في الفترة الفاصلة بين 1987 و 2009 ، تحولت تونس، تحت الحكم الدكتاتوري، إلى مَصْدر للتمويلات، خاصة للمؤسسات المالية الأجنبية التي تلقت مبالغ ماليّة تُقدر بـ 6.5 مليار دينار.

ليس بإمكان تونس اليوم أن تستجيب للاحتياجات الاجتماعية الكبرى والتي تخص جزءا هاما من مواطناتها ومواطنيها، وأن تعمل من أجل بناء مستقبل أفضل بدون أن تُحرر نفسها أوّلا من عبء الدّيون الكريه واللاشرعيّة الذي خلفته الدكتاتورية.

لدى الاتحاد الأوربي و دوله الأعضاء فرصة تاريخية من أجل إثبات تمسكها بالقيم الكونيّة لحقوق الإنسان و ذلك بالتصرّف وفق مسار التاريخ، الذي يتقدم في الوقت الرّاهن بخطوات كبيرة في الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط.

نعم، من الممكن اليوم أن نعمل سويّا من كلتا ضفتي البحر الأبيض المتوسط من أجل الديمقراطية، والازدهار، والسلم والصداقة بين الشعوب في ظل احترام متبادل للسّيادة و حق تقرير المصير.

إنّ مسألة إلغاء الدّيون الكريه واللاشرعيّة هي مسألة أساسية في مشروع تأسيس منطقة متوسطية حرة، سلمية و ديمقراطية.

شكــــــــــــــــــرا

Publié dans DETTE

Commenter cet article