غـــــــــزّة 2008

Publié le par FATHI CHAMKHI

10.JPGاختتمت قمّة برشلونة الأورومتوسطيّة العاشرة أعمالها مساء 28 نوفمبر 2005 في ظل لا مبالاة عامّة في تونس. ويتناقض هذا الشعور مع الثقل المتنامي للشراكة في حياة المجتمع التونسي ناهيك أنّ البلاد قد أصبحت الآن على مشارف التبادل الحرّ مع السّوق الأوروبيّة والذي شرع التونسيّون في تذوّق طعمه المرّ منذ سنة 1996.

إنّ ما كان لافتا للإنتباه بشكل خاصّ خلال القمّة، هو غياب الحكّام العرب المنخرطين في مسار الشراكة، وهو غياب زاده بروزا حضور الزّعماء الأوروبيّين المكثف، وعلى رأسهم توني بلير أحد أبرز غلاة الحرب الشاملة ضدّ الإرهاب.

لقد كانت ندوة الاختتام الصحفيّة، إن في شكلها أو في مضمونها، معبّرة بشكل صارخ على الطبيعة السّياسيّة الحقيقيّة للشراكة الأورومتوسطيّة. وهو مشهد ظهر فيه الدّال بوقاحة وتكبّر ليفصح بشكل فظ عن مدلول شراكته المزعومة. ندوة ترأسها السّادة توني بلير باسم قادة الاتحاد الأوروبي بوصفه رئيسه المباشر الحالي، ولويس زاباتيرو عن إسبانيا البلد الأوروبي المضيّف ، وجاك شيراك وبرلسكوني عن فرنسا وإيطاليا... أي القوى الكولونياليّة الأربع السّابقة للمنطقة العربيّة !

في نوفمبر 1995 تنقّل الملوك والرئساء العرب الثمانية، الذين شملهم المشروع الأوروبي، إلى برشلونة لأخذ صورة عائليّة جماعيّة مع الزعماء الأوروبيين، رفقة رئيس وزراء الكيان الصهيوني. تمّ ذلك خلال حفل ودّي وبهيج أعلن خلاله عن بدء عصر جديد في المتوسّط، عصر "التّعاون" و"الازدهار" و"الحريّة" والسّلام المزعوم... عصر الشّراكة الأورومتوسطيّة ! عشر سنوات بعد ذلك التاريخ، سقطت الصّور من الصورة وتقدّم السّادة ليعلنوا لنا عن مرحلة جديدة في حربهم الشاملة على الهجرة والإرهاب !

لم تكن علامات الرضا المبالغ فيها بادية على وجه بلير وجماعته، خلال الندوة الصحفيّة، فاكتفى جميعهم بالإشارة إلى توصّلهم إلى بعض النتائج الإيجابية والتفاؤل بصدد ما تبقّى عالقا من نقاط البحث المشتركة. ولقد كان من الواضح أن هناك محاولة لصيانة ماء الوجه عبر التغطية على الغياب المفضوح للحكّام العرب، المعنيّين الأساسيّين بموضوع القمّة، وذلك بالإشارة إلى وجود بعض الاختلافات في وجهات النظر مع الحكام العرب حول عدد من الملفات وهو ما حال، على حدّ قولهم، دون التوصّل إلى صيغة بيان ختامي ! ولا يرى هؤلاء حرجا في ادعاء كهذا، في حين لم يحضر حاكم عربيّ واحد إلى برشلونة ليدافع عن مصالح بلاده. ممّا سمح للمحللين والصحفيّين المتتبعين للشؤون الإقليمية بالحديث عن فشل نسبي للقمّة, مغذين بذلك الاعتقاد حول وجود اختلاف في تقييم مسار برشلونة وحول رصد آفاقه وعن إمكانيّة وجود تكافؤ سياسي صلب إطار الشّراكة.

على العكس، حققت قمّة برشلونة أهدافها الحقيقيّة التّي قامت من أجلها، أي الأهداف الاستراتيجيّة الرأسماليّة الأوروبية في المتوسط، وليست النّوايا الطيّبة التّي نٌمّق بواسطتها إعلان برشلونة منذ عشر سنوات والتي يفترض أنها مطمح الشّراكة الحقيقي. ويحقّ للزّعماء الأوروبيّين إعلان رضاهم التامّ على المشروع الأورومتوسطي. وهي مشاعر تجد ما يبرّرها بشكل عامّ من خلال تقدّم المشروع أشواطا حاسمة، خاصّة بعد شروع الجزائر، يوم 01 سبتمبر الماضي، في تطبيق اتفاق الشراكة، وبوصفه الأداة الأوروبية المشتركة للتأطير الاقتصادي والسّياسي للمنطقة العربيّة المتوسطيّة لحساب الإمبريالية الأوروبيّة.

كما يجد السيّد بلير ورفقائه دواعي السّرورو بشكل خاصّ، في نجاحهم إلى التوصّل، بمعيّة الحكام العرب، إلى ضبط خطة أمنيّة إقليميّة لمكافحة الإرهاب، تستجيب لمقتضيات المحور الأمني الأوروبي بزعامة توني بلير، وتندرج في ذات الوقت كحلقة أساسيّة، في مسلسل حرب الإدارة الأمريكيّة والإمبرياليّة العالميّة ضدّ الإرهاب.

لماذا لم تعلن "قمّة برشلونة زائد عشرة" الحرب على الفقر والبطالة والخصاصة والتهميش في منطقة المتوسّط وبشكل خاصّ جنوبها ؟ ولماذا لم تعلن الحرب على الاستبداد والتسلط والظلم الذي يٌفسد عيش الشعوب العربيّة ويصدّ في وجهها أبواب المستقبل ؟ ثمّ لماذا لم تعلن تلك القمّة عن حق الشعب العراقي المشروع في مقاومة الاحتلال، وعن حقه في تقرير مصيره دون وصاية أجنبيّة، وعن ضرورة تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقة الوطنيّة بعد معاناة تقارب الستين عاما، وعن ضرورة اخلاء المتوسط من الترسانات العسكريّة خاصّة منها النوويّة، وفي مقدمتها الترسانة الحربيّة الأمريكيّة وحلف شمال الأطلسي، كشروط ضروريّة للشروع في إرساء أسس سلام عادل ودائم في المنطقة المتوسطيّة، وفتح آفاق المستقبل أمام شعوب المنطقة ؟

في الأثناء تستمرّ الشّراكة الأورومتوسطيّة في سحق المجتمع التونسي بوجه خاصّ، بوصفة أوّل من فرضت عليه هذه السّياسة الجائرة سنة 1996، عبر إخضاعه إلى منطق الرأسماليّة الليبراليّة الأكثر وحشيّة، ممّا يدعم آليّات التفقير والتهميش والإقصاء والتطرّف بجميع أنواعه، وتقصي هذه السّياسة بوجه خاصّ الشباب وتهمشهم بدل تمكينهم. وليس من الغريب أن تقوّي سياسة كهذه لدى هؤلاء الشباب، طلبات الهجرة نحو أسواق الشغل الأوروبيّة، بحثا عن مصير أفضل. ولكنّ السّيد بلير ورفاقه لم يتساؤلوا عن أسباب الهجرة، بل اكتفوا بتجريمها، أي بتحميل مسؤوليّة سياستهم إلى من هم في مقدمّة ضحاياها. ولم يكفهم تجريم الهجرة، إذ تمكنوا من تصنيفها، من خلال خطة الطريق التي تمّ الاتفاق عليها خلال قمة برشلونة الأخيرة، في خانة الإرهاب، مدعين بكونها رافدا من روافد الإرهاب، حتى يتسنى لهم تبرير قمعها.

لم تعر القوى الاجتماعيّة والسياسيّة التقدميّة العربية قدرا كبيرا من الاهتمام لموضوع الشراكة الأورومتوسطيّة وهو ما يفسّر الغياب شبه الكلي لأي شكل من أشكال مناهضتها. وقد برز ذلك بشكل جليّ خلال كامل المدّة التي سبقت تنظيم المنتدى الاجتماعي المتوسطي الأوّل في صائفة السّنة الفارطة في برشلونة حيث غابت جلّ هذه التعبيرات السّياسيّة والاجتماعيّة خاصّة منها التي تضع في مقدّمة أولوياتها مناهضة كلّ أشكال الهيمنة الإمبرياليّة على المنطقة العربيّة. وكان ذلك بارزا أيضا خلال الآيام الأخيرة أثناء انعقاد القمّة الأورومتوسطيّة، فلم يحضر من القوى العربيّة إلا النزر القليل، باستثناء الوفد الفلسطيني الذي كان كثيفا بشكل لافت، على غرار التمثيل العربي المتأتي من داخل أوروبا.

لقد تمكنت الجموع الأوروبية والعربيّة المناهضة للشراكة الأورومتوسطيّة ولمنطق التبادل الحرّ الجائر التي تواجدت ببرشلونة، من تنظيم مظاهرة حاشدة أثناء افتتاح أشغال القمّة. وكان عشرات النشطاء من الضفتين قد تجمعوا قبل ذلك في جلسة عامّة تمّ خلالها الاتفاق على دعوة الدورة الثانية للمنتدى الاجتماعي المتوسطي للإنعقاد في غزة سنة 2008 والشروع من الآن في الإعداد المادّي والسّياسي لإنجاح هذه القمّة، مع السعي إلى خرط أكبر قدر ممكن من القوى العربيّة في مسار المنتدى حتّى يكون الحدث في مستوى تحدّيات الشّراكة وتطلعات شعوب المنطقة ومواطنيها إلى متوسط عادل ومتضامن ومتعدّد ثقافيا.

فتحي الشامخي

30 نوفمبر 2005

Publié dans PALESTINE

Commenter cet article